سدانيات

ماما إليزابيث...!

1 يناير 1970 12:24 ص

كالعادة وأنا أتصفح موقع «تويتر» مستكشفاً آراء أصدقائي في جميع القضايا المطروحة على الساحة، ساخنة كانت أم باردة، وجدت صراعاً بين صديقين ينتميان إلى توجهين مختلفين، الأول ليبرالي والآخر إسلامي، وكان الحديث عن مفهوم الحريات في كلا التوجهين.
والغريب أنني وجدت تصادماً فكرياً بين معتقدات كلٍ منهما، والمقام لا يتسع لنشر هذه التصادمات، ولكني استوقفت مفهوم الحرية بين منظوري الإسلامي والليبرالي من خلال الممارسات، فوجدت بداية، لا بدَّ علينا وأن نفرق بين الليبرالية العربية والليبرالية الغربية، فالأولى ومع الكثير من المواقف، لا تجدها تتطرق إلى قضايا الفكر والاعتقاد، بمثل ما تتطرق إلى قضايا «البكيني» و«المثلية» وأخيراً قضية «الحجاب» وغيرها من الأمور التي لا تشكل أزمة فعلية في عالمنا العربي ولا تغير في شكله المترهل سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
أما الأخرى فتجدها تتطرق إلى مفهوم الحرية كحق بشري غير متنازع عليه، وأنَّ هذا المفهوم يعد أساس التلاقي بين المتضادين في كل الأفكار، فهو صمام البقاء باعتقادهم وهذا يعد أمرا منطقيا حسب معطيات الحياة وتصارعاتها.
بيد أنَّ الإسلاميين إلى الآن لم يفهموا هذا المفهوم بنظرته الشمولية التي يجب أن يكون عليها. ولا أحمَّلهم وزر عدم استيعابهم لهذا الأمر ولكنَّي أرى أنَّ الحركة الإسلامية انشغلت كثيرا بالبناء الأخلاقي القيمي التعبدي للأفراد وتناست بشكل أو بآخر البناء الفكري التطبيقي والتنظيري لهم، فخلقوا لنا مجتمعا أخلاقيا إلى حدٍ ما ولكن في الوقت نفسه، متصادم فكريا واستيعابيا مع من يخالفه في الرأي؛ فيشكل بذلك صدمة فكرية تتوجب من المصدومين اتخاذ خنادق الهجوم دفاعا عن مجتمعهم الأخلاقي.
والجدير بالذكر أنَّ الكثير من الإسلاميين والليبراليين «العرب» - طبعاً - يسعون إلى تغيير النظام الاجتماعي وفقا لتوجهاتهم، إما التزاما أو انفتاحا، وهذا بوجهة نظري مخالف لمفهوم تطور المجتمعات. والأصل أنَّ دور جميع التوجهات الفكرية والسياسية هي المحافظة على النظام المجتمعي بكل أفكاره وتوجهاته ضمانة لاستمراره بصورة طبيعية وتطوره بشكل سليم، وأن يكون في مأمن من الاختلالات الفكرية التي قد ينتج عنها صدامات أو أفكار متطرفة، فيكون الهلاك مصير هذا المجتمع.
إنَّ أكثر ما نعاني منه في مجتمعاتنا العربية أنَّ السلطات السياسية المسيطرة على المجتمعات تحاول جاهدة أن تغير مفاهيم المجتمع بما يتناسب مع أفكارها وتوجهاتها، فينتج بذلك صراع بين السلطة والشعب بحيث يكون المجتمع والبلد هما الخاسر الأكبر، فلا منتصر في هذه المعركة الشوهاء، وهذا ما يجب أن نتعلمه من الغرب في فهمه لمفهوم السلطة والنظام المجتمعي، فالسلطة مهمتها الأساسية الحفاظ على النظام المجتمعي بشكله السليم لا تغييره، والشعب يمارس دوره من خلال الإطار الذي يحفظ صحة الممارسة وتوازنها... نظرية لو فهمناها جيدا، سنعيش كما يجب أن نعيش في سلام وأمان.

خارج النص:
- سألني أحد الأصدقاء الإنكليز، لماذا يعتبر العرب الحكامَ آباء لهم؟ وكان سؤالاً صعباً جداً، فأجبته لأنهم في أعمار آبائنا وأجدادنا، فقال لي: إنَّ ملكة بريطانيا في عمر والدة جدتي، ولم أسمع يوماً أحداً من أفراد أسرتي يناديها «ماما إليزابيث»... فما كان مني إلا أنني ابتسمت ورحلت بلا إجابة.

[email protected]