انتشرت في مرحلة ما بعد التحرير ثقافات ومفاهيم سلبية دخيلة على الكويت وأهلها، ومن هذه الثقافات شيوع ظاهرة النقد والتشكيك والنظر بعين الريبة والشك لكل مسؤول يعمل في مكان عام وكأنه مجرم تحت الرقابة، واختفاء فضيلة الإطراء لمن يحسن في عمله وكأن الثناء على الأفاضل أصبح عيباً في مجتمع لم يعد يرى سوى الأخطاء وتضخيمها، حتى بتنا نحارب النجاح والإنجازات من حيث لا ندري، وأصبح المديح بالحق والإطراء والثناء من حق الأموات فقط وكأنه من الممنوعات على الأحياء.
النقد الدائم المستمر والتشكيك بالنوايا والأفعال والاتهامات من دون دليل التي تطول المجتهدين في أعمالهم، هي دعوة غير مباشرة للكسل والخمول والبطالة المقنعة خشية الإنجاز وما يعقبه من طعن في الذمم أو النوايا والأعمال، وكأننا تحولنا إلى مجتمع يعشق النقد والجدل ويقعد عن الإنجاز والعمل.
في مسيرتنا الحياتية نصادف كثيرين ونلتقي بأناس متعددي الثقافات والتوجهات والأفكار والعقائد والطوائف، بعضهم يرسخ في ذهنك لسوء تعامله وآخرون يحفرون في وجدانك محبتهم واحترامهم لحسن سلوكهم ونفعهم لخلق الله وأدبهم الجم وتواضعهم مع الجميع.
ومن هؤلاء الأفاضل الأخ اللواء المتقاعد مجحم مشبب الجلال السهلي، القيادي السابق في الإدارة العامة للمرور في وزارة الداخلية، هذا الرجل الذي يعد بحق مفخرة لأهله ومعارفه ومحبيه، بل وللكويت بأسرها.
أكتب اليوم عن الأخ مجحم السهلي بعدما تقاعد منذ سنوات من «الداخلية» ولم يعد له منصب رسمي أو غيره... وقد يتساءل البعض لماذا أكتب عن هذا النموذج النادر في زماننا اليوم؟!
أكتب عنه لأنني أصبحت أرى من بعض موظفي الدولة ما لا ترتضيه نفس سوية ولا يقبل به عاقل محب لوطنه وأهله. اليوم – مع شديد الأسف – انتشرت ظاهرة الاستنفاع من المنصب، فتحولت الوظيفة العامة عند فئة ليست بالقليلة في وزارات الدولة إلى وسيلة للإثراء الحرام والاستفادة من المنصب على حساب حقوق العباد.
مجحم الجلال كان مثالاً للنزاهة الأخلاقية، عفيف النفس، نظيف الكف، متواضعاً، حريصاً على خدمة المراجعين مع الحفاظ على هيبة القانون وحسن تطبيقه، يتعامل مع الجميع بمحبة ودماثة وحسن خلق، أهل الكويت هم أهله، البدوي والحضري والسني والشيعي، والمقيمون يعتبرهم ضيوفه هو وليسوا ضيوف الكويت الوطن فحسب، كان لا يدخر جهداً في إنجاز حاجات العباد سواء في إدارته أو الإدارات الأخرى، ولا يرضى بظلم أحد أكان يعرفه أم لا يعرفه.
العجيب في هذا الرجل الخلوق المتواضع أنه كان وما زال محباً للجميع ويتواصل معه الجميع على خلاف ما عهدناه من الناس بعد خروج أي قيادي من منصبه وانفضاضهم عنه، لا يغلق باب بيته في وجوه ذوي الحاجات كما كان في موقعه القيادي لا يغلق بابه في وجوه المراجعين، مجحم الذي كان يعيش مفهوم المسؤول في خدمة المراجعين، ما زال هو مجحم المواطن الكويتي الذي امتلأ قلبه بحب الكويت وأهلها وعشق الحرص عليهم وخدمتهم.
أعلم أن في الكويت آخرين يشبهون الأخ مجحم في عطائه وخلقه وتواضعه وحبه للكويت وأهلها، قد لا أعرفهم ولا يعرفهم غيري، ولكن يكفيهم فخراً أن المحيطين بهم يعرفونهم، وقبل هذا وذاك أن الله تعالى يعرفهم وأن أعمالهم الحسنة لن تضيع ثمارها بإذن الله.
نحتاج أيها الأحباب أن نشيع ثقافة المحبة والثناء وأن نعيش كمجتمع متوازن في مفاهيمه، فمن يستحق الإطراء نثني عليه ومن تستحق أعماله النقد نقيّمها حسب القانون وأعراف المجتمع وقيمه لنعزز الخير ونعالج مواطن الشر بالحسنى.
mh_awadi@