خواطر صعلوك

تحذير شبابي من زمن الطيبين

1 يناير 1970 02:04 ص

في العام 1985، قام جهاز الدراسات والبحوث الاستشارية في الديوان الأميري مشكوراً بنشر ثماني دراسات تتعلق بالشباب، كانت قد قدمت لسمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، في فترة الثمانينات، ورغبة من سموه في أن يكون البحث في متناول الباحثين وراسمي السياسات الشبابية سمح بنشره لتعم الفائدة.
وأول سؤال ربما يتبادر لذهن القارئ هو: هل استفادت الحكومات المتعاقبة من هذه الدراسات وعمت فائدتها أم لا؟
والإجابة في بطن الشاعر وفي بطن وزارة الدولة للشباب.
من بين الدراسات الثماني كانت هناك دراسة بعنوان «الشباب في الكويت ووقت الفراغ»، والتي طبقت على 3739 شاباً وشابة من الكويتيين وغير الكويتيين، لفت انتباهي في أولى صفحاتها أن نسبة الشباب دون سن 25 في هذه الفترة (1985) كانت تبلغ 70 في المئة من السكان، وهذا يعني أن النسبة الحالية للشباب 2018 في الهرم السكاني ليست الأولى من نوعها في تاريخ الكويت، ما يجعلنا نتساءل عن جدية الاستثمار في الشباب فعلاً في ظل خطاب شبابي متطور نسمعه ليل نهار، ولكن مع بقاء فكرة التحنيط في الهرم! فيبدو أن الدولة لم تستفد من دراسة قديمة، ما يجعلنا نتساءل أيضا عن جديتها في الاستفادة من دراسات وبرامج جديدة؟
تلفت الدراسة نظرك إلى دراسات سابقة حول الشباب منها، مثلاً ما قام بها الخطيب وآخرون والتي تناولت جرائم الأحداث عام 1977م ومثلت 11.3في المئة من مجموع جرائم الكويت! وهو رقم مخيف جداً في زمن قيل عنه إنه زمن الطيبين.
وتقسم الدراسة استغلال أوقات الفراغ في «زمن الطيبين»، بين ممارسات مقبولة اجتماعيا وممارسات غير مقبولة اجتماعيا، وتلاحظ الدراسة أن النسب المئوية عالية عند الشباب الكويتي وغير الكويتي فيما يتعلق بعدم ممارسة الأنشطة الثقافية، فنحو 70 في المئة لا يرتادون الجمعيات الثقافية و50 في المئة لا يذهبون إلى الأندية الرياضية، بل وتنبه إلى ممارسات غير مقبولة بنسب عالية مثل مشاهدة أفلام ممنوعة والتجول في الشوارع بالسيارات والتشفيط والتسكع وتكوين علاقات مع الجنس الآخر.
ثم تشير أيضا إلى أنه حتى الأنشطة المقبولة اجتماعيا قد تأخذ شكل المبالغة في الممارسة ما قد يؤثر على وقت الشاب، مثل ملاحظة أن هناك مبالغة في مشاهدة التلفزيون أو الجلوس فترات طويلة في الديوانية أو المبالغة في التنزه مع الأصدقاء، وتخلص الدراسة إلى أن هناك مشكلة تتعلق بتنظيم أوقات الفراغ عند الشباب، وأن الشباب يشعر بعدم الثقة في نفسه وكفاءته ومهاراته، ويشعر بعدم اطمئنان تجاه المستقبل.
 وبعيدا عن اعتراضنا أو موافقتنا عن تصنيف ما هو مقبول أو لا مقبول اجتماعيا، إلا أنك ستلاحظ عزيزي القارئ بعد هذه المقدمة الطويلة أن زمن الطيبين لم يكن كله طيبين، وأن الزمن الجميل لم يكن كله جميلا، وبأنه كانت هناك مشاكل وسلوكيات شبابية ظاهرة لم يتقبلها المجتمع من فئة الشباب، وأن لكل عصر مشاكله التي تواجه شبابه وسياقاته التي تخدمه أو تخنقه أحيانا.
بالتأكيد هناك ما يسمى بالزمن الجميل في الرياضة والفن والأدب أو زمن الطيبين في المجتمع والسلوكيات، وهو تأكيد أشدد عليه في هذا المقال لكي لا يخرج لي أحد القراء ويمسك بتلابيبي ويتهمني بالإساءة لمجتمع الآباء، ولكن هذا لا يعني أيضا أن هؤلاء الآباء لم يعيشوا في بيئة داعمة للفن والرياضة والأدب في ظل وجود قيادات ثقافية عملاقة ووافدين كانوا قيمة مضافة للبلد، حيث كان الفساد في زمنهم يأخذ شكلاً بدائياً ومستهجناً وغير مدعم قانونيا، وعاشوا في ظل إدارات وهيئات ناشئة فيها على الأقل الحد الأدنى من العدل فيما يتعلق بتوزيع الفرص.
لقد كان لمجتمع الآباء مشاكلهم الشبابية وسياقاتهم المحدودة التي جعلت من إطالة الجلوس أمام التلفاز ممارسة اجتماعية مقبولة ولكنها مشكلة، وما أريد أن أشير إليه هو أنه أيضا لمجتمع الشباب اليوم مشاكله التي أخذت شكلا آخر بسبب تنوع سياقاته التي جعلت تفجر الثورات حوله وتفجر المعلومات بين يديه ممارسة عالمية طاحنة له.
إن دور المؤسسات الشبابية اليوم لم يعد فقط ملء وقت فراغ الشباب، أو تنظيم فعاليات تطوعية لهم، أو الإعداد لمسح وطني نسمع عنه في كل مناسبة من دون أن نعرف نتائجه إلى الآن، ولكن أيضا عليهم الالتفات إلى السياق السياسي وأهمية التدريب والتأهيل فيه للقطاع العريض الذي أصبح متابعة الشأن العام بالنسبة له مثل مشاهدة التلفاز بالنسبة لمن قبله.
بل ربما أذهب إلى أبعد من الخرافة ذاتها فأدعي أن زمن الطيبين هو زمننا نحن الذين سنواجه انتهاء دولة الرفاه مع تحديات اقتصادية وديموغرافية، وسيخرج جزء كبير منا بندبات تكونت بسبب فترة سياسية وأمنية عصيبة، ولن يكون لدينا الوقت للتجول والتسكع، ولن نشاهد الأفلام لأننا سنكون جزءاً منها!! حيث في غياب اليقين العالمي حول جدوى القيم وأهميتها، ووجود الارتياح لفكرة التغيير الاقتصادي حتى لو أدى إلى تمزيق اجتماعي، سنشعر بانعدام الثقة نفسها الذي شعر به الآباء، والتخوف نفسه وعدم الاطمئنان للمستقبل، ما لم نشارك في صناعته.

كاتب كويتي
moh1alatwan@