مسألة أكبر من طائرة وصاروخ

1 يناير 1970 05:52 ص

يندرج إسقاط طائرة إسرائيلية بصاروخ أرض ـ جو أطلق من الأراضي السورية في سياق مواجهات مستمرّة منذ سنوات عدة لا يمكن إلا أن تنتهي بحرب واسعة في يوم ما، قد يكون قريباً. عنوان هذه المواجهة التي يحتمل أن تقود إلى حرب هو الوجود العسكري الايراني في سورية. هل يمكن لإيران أن تبقى في الجنوب السوري، عبر «الحرس الثوري» أو ميليشياتها المذهبية في المدى البعيد؟ هذا هو العنوان العريض للحرب المقبلة التي يعتبر إسقاط الطائرة الإسرائيلية فصلا من فصولها الطويلة والمثيرة.
لا شكّ أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية من نوع «اف- 16» يعتبر نقطة تحوّل. يعود ذلك إلى أنّها المرّة الأولى منذ سنوات طويلة التي تسقط فيها طائرة حربية عسكرية في مستوى طائرة «اف 16». كانت المرّة الأخيرة التي سقطت فيها، أو أُسقطت، طائرة إسرائيلية في العام 1986 فوق لبنان. كانت الطائرة من نوع «فانتوم» ولا يزال الطيار الذي كان فيها ويدعى رون أراد مفقوداً الى اليوم.
الجديد الآن هو الصاروخ الذي أسقط الطائرة التي كانت تغير على مواقع إيرانية وأخرى تابعة للنظام في الداخل السوري. هذا يعني بكلّ بساطة أن المواجهة بين ايران وإسرائيل دخلت مرحلة جديدة وأن الجانب الروسي لم يعد قادراً على التزام التفاهم القائم بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شأن الجنوب السوري الذي يفترض أن يكون خالياً من الوجود الايراني المباشر وغير المباشر. بكلام أوضح، لا تستطيع روسيا، أو ربّما لا تريد، لأسباب مستجدّة، التزام التفاهمات مع إسرائيل مع ما تقتضيه من سماح لها بأن تضرب ساعة ما تشاء والأهداف التي تشاء والتي تعتبر أنّها تشكل خطراً عليها في الأراضي السورية. مثل هذا الصاروخ المتطور الذي لاحق الطائرة الإسرائيلية روسي الصنع وهو جزء من شبكة دفاعية في سورية. هل يعني إطلاقه أن روسيا لم تعد قادرة على ضبط إيران؟
في الواقع، هناك أسئلة كثيرة لا أجوبة عنها بعد. لكنّ الثابت أنّ اللعبة تغيّرت في سورية وأن التفاهمات التي كان معمولاً بها في الماضي لم تعد موجودة، خصوصاً مع دخول تركيا على الخط وبدء عملية عفرين بالتفاهم مع الروس وذلك كي تحجز مقعداً لها في المرحلة المقبلة، مرحلة تقرير مصير سورية وتقاسم مناطق نفوذ فيها.
الثابت أيضاً أنّ الأميركيين قرروا بدورهم أن تكون معظم ثروات سورية تحت سيطرتهم. لذلك اختاروا ضرب أي قوة تابعة للنظام أو لإيران لدى اقترابها من شرق الفرات. هذه ما حدث أخيرا عندما قتل الاميركيون نحو مئة مقاتل تقدموا من حقل للغاز في محافظة دير الزور.
إلى ما قبل فترة قصيرة، كانت هناك خطوط عريضة لتفاهم أميركي - روسي. يقضي هذا التفاهم بالتنسيق المسبق بين الجانبين من أجل تفادي أي صدام بينهما، خصوصاً في الجوّ. ولكن يبدو أن الروس وجدوا أنفسهم أخيراً في وضع لا يحسدون عليه، خصوصاً بعد الهجمات التي تعرّضت لها قاعدة حميميم أواخر العام الماضي وبعدما اكتشفوا أن ايران التي استعانت بهم من أجل انقاذ بشار الأسد في خريف العام 2015 تمتلك أجندة سورية خاصة بها تقوم على وضع اليد على جزء من أراضي البلد، خصوصاً في المناطق الجنوبية.
سيفرض الصاروخ الذي أسقط الطائرة الإسرائيلية على جميع المعنيين إعادة النظر في مواقفهم. لكن السؤال الذي سيفرض نفسه هو الآتي: هل يمكن القبول بالوجود الايراني في سورية؟
تعترف أميركا بوجود مصالح روسية في سورية، خصوصا في منطقة الساحل. وتعترف بوجود مصالح تركية وإنْ في حدود معيّنة. هناك مشكلة ذات طابع كردي بين أنقرة وواشنطن. سيكون هناك نقاش في شأن المصالح التركية في سورية، خصوصاً في الشمال، بين وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون وكبار المسؤولين الاتراك بعد ايّام قليلة عندما يزور تيلرسون أنقرة.
معروف ما الذي تريده إسرائيل التي ضمّت الجولان نهائياً. ليس سرّاً أن العلاقات بينها وبين روسيا من النوع العميق جدّا. ما تريده إسرائيل هو الانتهاء من سورية ككيان موحّد من جهة ومنع ايران من استخدام الجنوب السوري لتهديدها بأسلحة وصواريخ معيّنة من جهة أخرى. الأكيد أن الموقف الإسرائيلي ليس بعيداً لا عن التفكير الاميركي ولا عن التفكير الروسي، ولا حتّى عن التفكير التركي...
من هذا المنطلق، يبدو الاستثمار الإيراني في نظام بشّار الأسد في غير محلّه. لن يكون هناك قبول إقليمي أو دولي بوجود إيران في سورية، حتّى لو كانت حجة طهران أنّ سورية جسر إلى لبنان الذي باتت تعتبره محافظة من محافظاتها في ظل الهيمنة التي يمارسها «حزب الله» على البلد. أوروبا نفسها، التي تميل إلى مسايرة ايران من زاوية المحافظة على الاتفاق في شأن ملفّها النووي، لا يمكن أن تقبل دولها باستمرار الوجود الإيراني في جزء من الأراضي السورية وسعي الميليشيات التابعة لـ«الحرس الثوري» الى التمدّد في اتجاه ادلب والشمال السوري ومناطق أخرى.
يبقى موضوع في غاية الاهمّية هو ما الذي سيفعله «حزب الله» في حال استمر التصعيد بين إسرائيل وإيران في سورية. هل يفتح جبهة جنوب لبنان ويدخل البلد في مغامرة لن تؤدي سوى إلى مزيد من الخسائر والدمار تلحق بالوطن الصغير الذي يعيش في ظلّ استقرار هشّ؟
طوى الصاروخ الذي أسقط الطائرة الإسرائيلية مرحلة من مراحل الازمة السورية المستمرّة منذ مارس 2011، وهي في الواقع تتويج لأزمة نظام أقلّوي هرب دائماً من مشاكله الداخلية الى خارج منذ انقلاب البعث في الثامن من مارس 1963. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أن ما سبق إسقاط الطائرة الإسرائيلية إطلاق ايران طائرة من دون طيّار من مطار سوري في اتجاه إسرائيل، مع ما يعنيه ذلك من رغبة في ممارسة لعبة التصعيد مع طرف يهوى هذه اللعبة.
ليس مستبعداً أن تكون إيران تريد أيضاً حرباً في المنطقة لتقول للعالم أنّ ثمن خروجها من سورية سيكون غالياً، بل غالياً جدّاً، وأنّ إسرائيل غير قادرة على دفع هذا الثمن، لا هي ولا غيرها، بما في ذلك روسيا. يظلّ في النهاية، هل في وارد إسرائيل خوض معارك برّية في سورية مع ما يعنيه ذلك من خسائر بشرية؟ هناك بكل بساطة رهان إيراني على أنّ إسرائيل عاجزة عن خوض مثل هذه المغامرة التي ستكلّفها مقتل المئات من جنودها وسترضخ، هي وغيرها، في نهاية المطاف لواقع يتمثّل في أن إيران وجدت في سورية لتبقى فيها وأن مليارات الدولارات التي صرفتها لحماية نظام بشّار الأسد كانت أموالاً صرفت في المكان المناسب لغرض واضح يصبّ في حماية النظام في طهران قبل أيّ شيء آخر.
إنّها مسألة أكبر بكثير من صاروخ روسي أطلقه الايرانيون أو النظام السوري وأسقط طائرة إسرائيلية. هل تخرج إيران من سورية أم لا مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على الداخل الايراني وطرح لمصير النظام؟