خيرالله خيرالله / في ذكرى استشهاد بيار أمين الجميل

1 يناير 1970 03:47 م
كلما مر يوم، تزداد الصورة وضوحاً. كلما مر يوم على الجريمة، نكتشف أكثر لماذا كان اغتيال بيار أمين الجميل قبل عامين. في الذكرى الثانية لاستشهاد الوزير والنائب ورمز المستقبل الواعد لشباب لبنان، لا يمكن إلا الإشارة، بالاسم، إلى المستفيد من الجريمة. لا بد من التذكير بأن هناك من قبل الاستفادة من الجريمة عبر الاستيلاء على المقعد النيابي لبيار أمين الجميل عن طريق المحور الإيراني- السوري الذي جند كل إمكاناته من أجل الاستحواذ على المقعد الذي كان يشغله بيار. المشكلة ليست في من حل مكان بيار أمين الجميل بمقدار ما أنها تكمن في أداة لدى الأدوات تقبل الاستفادة من جريمة قتل تستهدف شخصية وطنية. استغلّت هذه الأداة الجريمة لترشح شخصاً يشغل المقعد النيابي لبيار أمين الجميل. كل ما في الأمر أن النائب ميشال عون أراد الاستفادة من خدمات الأجهزة السورية وعملائها، ومن الأصوات التي يوفرها «حزب الله» الإيراني عبر التجييش المذهبي... كي يرث بيار أمين الجميل في المتن. وهذا يدل إلى حد كبير إلى أي مدى يمكن أن يذهب القائد السابق للجيش اللبناني في التنكر لكل ما له علاقة بلبنان الحر السيّد المستقل، خدمة لطموحاته وأحقاده على كل ما هو ناجح وعلى ارتباط بالمستقبل، وكل ما هو حضاري وما يوفر أملاً بمستقبل أفضل للبنانيين عموماً، والمسيحيين على وجه التحديد.
كعادته، كان الرئيس أمين الجميل كبيراً عندما دعا إلى ضبط النفس والتعالي على الأحقاد إثر استشهاد بيار. كان يعرف تماماً أن نجله دفع ثمن وقوفه مع اللبنانيين الشرفاء في معركة الاستقلال الثاني. وكان يعرف قبل كل ذلك أن بيار دفع ثمن استعادة لبنان لحزب «الكتائب»، بعدما كان الحزب في يد الأجهزة السورية تستخدمه في فرض الوصاية على لبنان. ليس سراً أن بيار أمين الجميل أمضى أعواماً وهو يعمل من أجل عودة «الكتائب اللبنانية» حزباً لبنانياً، بعدما صار في مرحلة ما فرعاً للاستخبارات السورية في عهدة أشخاص يخجل اللبناني من ذكر أسمائهم. هؤلاء استولوا على الحزب وكان في استطاعتهم إطالة هذه السيطرة إلى يومنا هذا لولا تصدي بيار أمين الجميل لهم، ونزوله إلى الأرض مغامراً بحياته في وقت كان والده ممنوعاً من العودة إلى لبنان. نعم كان أمين الجميّل، رئيس الجمهورية بين العامين 1982 و1988 ممنوعاً من العودة إلى لبنان طوال ما يزيد على اثني عشر عاماً بأوامر سورية، في وقت كان ميشال عون منفياً بدوره، والدكتور سمير جعجع في السجن.
صمد سمير جعجع. وصمد أمين الجميل. لم يكتف أمين الجميل بالصمود. عاد بيار إلى لبنان ليعيد تأسيس «الكتائب» على أسس ومبادئ وطنية، وليقود ثورة على الانقلابيين من أجل عودة الحزب إلى أصله وأصالته، أي إلى ما هو مفترض أن يكون عليه. أن يكون حزب «الكتائب» حزباً لبنانياً أولاً، بل حزباً من الأحزاب المؤسسة للكيان اللبناني، يؤمن بلبنان الحر السيد المستقل بكل مكوناته الطائفية والمذهبية، لبنان المقاوم لكل من يعتدي على سيادته وكرامته. دفع بيار أمين الجميل الثمن غالياً بسبب تجرؤه على تمكين لبنان من استعادة «الكتائب» التي صارت في عهدة أيد أمينة بدل أن تكون أداة من الأدوات السورية... أو الإيرانية كما حال ميشال عون الآن.
لا يمكن فصل اغتيال بيار أمين الجميل عن اغتيال الحبيبين سمير قصير، وجبران تويني. استشهد سمير ثم جبران لأنهما قاوما الاحتلال السوري للبنان، ولأنه كان في استطاعتهما المساعدة في تشكيل رأي عام مسيحي ولبناني يواجه «جنرال الهزائم» الذي تبين أنه لم يكن يوماً سوى أداة سورية منذ قبوله مهمة التصدي لـ «اتفاق الطائف»، ومنع الرئيس رينيه معوض من دخول قصر بعبدا كي يسهل اغتياله على يد الأجهزة السورية.
اغتيل سمير، ثم جبران، ثم بيار، كي تفرغ الساحة لميشال عون. اغتيل كل من يستطيع كشف حقيقة ميشال عون الذي مكّن السوريين من دخول قصر بعبدا، ووزارة الدفاع اللبنانية، والاستيلاء على كل ما فيها من ملفات في اكتوبر من العام 1990. اغتيل كل من يستطيع أن يقول لا لعودة الوصاية السورية، وكل من هو مستعد ليقول نعم لعلاقات ندية بين سورية ولبنان تكون في مصلحة الشعبين ومستقبلهما. من حسن الحظ لا يزال هناك من يقاوم ومن يقول كلمة لا لعودة الوصاية ومن يقف في وجه من هم دون التفاهة، أولئك الذين ارتضوا الاستفادة من جريمة اغتيال بيار أمين الجميّل والاستيلاء على مقعده النيابي.
بعد عامين على اغتيال بيار أمين الجميل، لم تعد حاجة إلى مزيد من الايضاحات والتفسيرات والطروحات. بتنا نفهم كما بتنا نعرف لماذا كانت الجريمة ومن المستفيد منها. المطلوب بكل بساطة ألا يكون هناك صوت مسيحي أو مسلم قادر على تلاوة فعل إيمان بلبنان، والمساعدة في تشكيل جبهة متماسكة تواجه المحور الإيراني- السوري الساعي إلى تكريس لبنان «ساحة» بدل أن يكون وطناًَ ودولة ذات مؤسسات فاعلة. اغتيل سمير لأنه كان قادراً على أن ينفذ إلى الداخل السوري، وتوعية السوريين والتأكيد لهم أن فجر الحرية آت لا محالة. واغتيل جبران لأنه كان «النهار» الحقيقية، وليس «النهار» الشبيهة بـ «النهار». الأمل كبير بعودة «نهار» جبران قريباً. كان جبران صوت الرافضين للخنوع، صوت الذين اكتشفوا، ولو متأخراً، من هو ميشال عون ولماذا أعادته الأجهزة السورية إلى لبنان، والشروط التي رافقت العودة.
اغتيل بيار لأنه كان رأس الحربة في التصدي لمشروع العودة السورية إلى لبنان عن طريق بعض من يصفون نفسهم بالمسيحيين والمدافعين عن حقوق المسيحيين. كانت الحاجة إلى عامين كي لا تعود هناك أي غشاوة. كان الثمن غالياً. فقدنا الأعزاء. فقدنا الصادقين الشرفاء. فقدنا سمير وفقدنا جبران... وفقدنا بيار الذي تجاوز كل الحواجز والطوائف والمذاهب والمناطق من أجل لبنان المسلم- المسيحي، أو المسيحي- المسلم، لا فارق!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن