موسكو، دمشق - وكالات - وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في زيارة خاطفة ومفاجئة، بالغة الدلالات مضموناً ولافتة شكلاً، إلى قاعدة حميميم العسكرية، هي الأولى له إلى سورية، جملة رسائل دفعة واحدة، أهمها إلى حليفه بشار الأسد بأن «الأمر لي»، وإلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأن موسكو معنية بالحل السياسي وليس العسكري، وإلى الداخل الروسي مفادها بأنه لا يريد الغرق في المستنقع السوري فيما يستعد لولاية رئاسية جديدة عبر الانتخابات المقررة العام المقبل.
وكان لافتاً أن جنرالاً روسياً حدّ من حركة الرئيس السوري على الأرض السورية مانعاً إياه من التحرك خلف بوتين، وموعزاً إليه بضرورة البقاء في مكانه!
وخلال زيارته المفاجئة صباح أمس التي سبقت زيارتين قام بهما لاحقاً إلى القاهرة وأنقرة، أعلن بوتين أنه أمر بسحب قسم كبير من القوات العسكرية الروسية من سورية، قائلاً: «خلال نحو عامين، قضت القوات المسلحة الروسية بالتعاون مع الجيش السوري على الإرهابيين الدوليين إلى حد كبير. بالتالي اتخذت قرار إعادة القسم الأكبر من الوحدات العسكرية الروسية المتواجدة في سورية إلى روسيا».
واضاف متوجهاً للجنود الروس: «تعودون ظافرين إلى بيوتكم وذويكم وأهاليكم ونسائكم وأطفالكم وأصدقائكم. الوطن في انتظاركم يا أصدقائي».
وأكد بوتين ما كان معروفاً وهو أن بلاده ستحتفظ بوجود عسكري في سورية، مشيراً إلى أن قاعدة حميميم، الواقعة في محافظة اللاذقية شمال غربي سورية وتتركز فيها القوات الروسية، ستظل عملانية، إلى جانب قاعدة طرطوس البحرية.
ولم يوضح بوتين، الذي استقبله في حميميم الرئيس السوري بشار الاسد ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو وقائد القوات الروسية في سورية الجنرال سيرغي سوروفيكين، عدد الجنود الروس الذين سيبقون في سورية.
وكان لافتاً أن الكلمة التي ألقاها بوتين أمام القوات الروسية، تم بثها عبر الإعلام بعد ساعات من الزيارة الخاطفة، وتزامناً مع وصول الرئيس الروسي إلى القاهرة ظهر أمس.
وفور وصوله إلى القاعدة، حيا بوتين حليفه الأسد قبل أن يلقي كلمة أمام القوات الروسية، قال فيها في هذه الكلمة إن «هدف مكافحة المجرمين المسلحين في سورية، الهدف الذي تطلب تدخلاً على نطاق واسع للقوات المسلحة تم تحقيقه بالكامل وبنجاح كبير. لقد تم الحفاظ على سورية كدولة مستقلة وذات سيادة»، قبل أن يتوجه بالشكر إلى الجنود على عملهم، لكنه حذر من أنه «إذا عاد الإرهابيون إلى الظهور (وفي ترجمة أخرى: إذا رفع الإرهابيون رؤوسهم من جديد) فسنوجه إليهم ضربات غير مسبوقة ولن ننسى أبداً القتلى أو الخسائر الناجمة عن مكافحة الارهاب في سورية وفي بلادنا، في روسيا».
من جهته، توجه الأسد بالشكر إلى بوتين على «مشاركة روسيا الفعالة في محاربة الارهاب في سورية»، مؤكداً أن «ما قام به العسكريون الروس لن ينساه الشعب السوري»، حسب ما نقلت عنه وسائل الاعلام السورية الرسمية. وأضاف «لقد امتزجت دماء شهدائهم بدماء شهداء الجيش العربي السوري في مواجهة الارهابيين».
وأظهرت لقطات الفيديو للزيارة، أن بوتين تعامل بعدم مبالاة مع الأسد عندما اقترب منه محاولاً الوقوف بجانبه وهو يتحدث إلى الجنرالات الروس، فما كان من أحد المرافقين إلا أن أبعد الرئيس السوري إلى الجهة اليسرى ولم يسمح له بالاقتراب من بوتين الذي أنهى حديثه وتابع سيره، من دون حتى أن يلتفت للأسد الذي لم ييأس وحاول مرة أخرى اللحاق به إلا أن جنرالاً روسياً منعه من ذلك وأمسكه من يده موعزاً إليه بضرورة البقاء في مكانه وعدم التقدم.
واختار ناشطون على الانترنت عنواناً للفيديو يختصر الواقع: «لقطات تخبرنا عن موازين السلطة والقوة الحقيقية في سورية...».
وتوقفت مصادر مطلعة عند شكل الزيارة، ورأت في عدم ذهاب بوتين إلى دمشق واكتفائه بلقاء الأسد في قاعدة حميميم مؤشراً واضحاً على أن روسيا لا تتعامل مع النظام السوري كحكومة شرعية قائمة، مرجحة أن الأسد نفسه لم يكن على علم بالزيارة حتى قبل ساعات من حدوثها.
ومع نهاية زيارة بوتين، قال الجنرال سوروفيكين انه من المقرر أن تغادر 23 طائرة ومروحيتان روسيتان قريبا سورية، تليها وحدات من الشرطة العسكرية وخبراء نزع الألغام وأطباء ميدانيون، مشيرا الى أن القوات الروسية قضت على اكثر من 32 ألف مقاتل عدو في سورية.
واعتبر مدير المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبد الرحمن ان الطيران كان السلاح «الحاسم والأكثر استخداماً» من قبل الروس الذين بدأوا بلعب دور حاسم على الارض «منذ معركة تدمر في مارس 2016»
وأشار الى ان القصف الروسي اسفر منذ 30 سبتمبر 2015 وحتى 11 نوفمبر 2017 عن مقتل 6328 مدنياً بينهم 1537 طفلاً. كما قتل 4732 عنصراً من تنظيم «داعش»، و4098 مقاتلاً من الفصائل المقاتلة والإسلامية وبينها «هيئة تحرير الشام».
وبعد زيارته المفاجئة إلى حميميم، توجه بوتين إلى القاهرة حيث أجرى محادثات مع نظيره عبد الفتاح السيسي، تناولت الملف السوري، إضافة إلى الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، والعلاقات الثنائية.
وبعد القاهرة، توجه الرئيس الروسي، مساء أمس، إلى تركيا لإجراء محادثات مع نظيره رجب طيب أردوغان، بشأن العلاقات الثنائية وأوضاع المنطقة، لا سيما في سورية.
وقال بوتين للأسد: «أمامي فرصة للتحدث (عن الملف السوري) في القاهرة مع الرئيس المصري وبعدها مع الرئيس التركي»، مؤكداً أن «الشروط متضافرة من أجل التوصل الى حل سياسي (للنزاع) تحت إشراف الأمم المتحدة»، في الوقت الذي تتواصل فيه جولة ثامنة من المحادثات في جنيف حتى 14 ديسمبر الجاري.
وفي هذا السياق، أجرى المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، في جنيف أمس، محادثات مع وفد النظام السوري برئاسة بشار الجعفري، في لقاء هو الأول منذ عودة الوفد إلى المدينة السويسرية للمشاركة في هذه الجولة الثامنة من المحادثات بعدما تأخر لأيام عدة.
وفي غياب الأرقام الرسمية، تشير تقارير إلى أن عدد الجنود الروس في سورية يقدر بما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف جندي، تم نشرهم خلال العامين الماضيين.
وحسب البيانات الرسمية، قتل 40 عسكرياً روسياً فقط في سورية منذ بدء التدخل العسكري في 30 سبتمبر من العام 2015.
«تحرير الشام» تطرد «داعش» من باشكون
النظام يُصعِّد في حماة ويحشد مع حلفائه لمعركة إدلب
دمشق - وكالات - صعدت قوات النظام السوري، مدعومة بالطائرات الروسية والميليشيات الموالية لها، حملتها على قوات المعارضة في محافظة حماة، وتقدمت باتجاه الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات، وسط مخاوف من تحولها إلى ساحة قتال دامية.
وذكر موقع «الجزيرة نت»، أمس، أن عشرات الغارات الجوية، التي يُعتقد بأنها لطائرات روسية، استهدفت قرى وبلدات تسيطر عليها المعارضة في ريف حماة الشمالي الشرقي والمنطقة الجنوبية من محافظة إدلب، وفق ما أفادت المعارضة المسلحة وشهود عيان.
وأعلنت «هيئة تحرير الشام» وبعض فصائل «الجيش السوري الحر»، التي تسيطر على تلك المناطق، أنها أرسلت تعزيزات لاسترداد سلسلة من القرى قرب بلد الرهجان، فيما أعلنت قوات النظام أنها سيطرت على قرى: أم تريكة، وأم حزيم، وبليل، وتلة رجم الأحمر، وأجبرت المعارضة على الاتجاه إلى مناطق قريبة من الحدود الإدارية لمحافظة إدلب.
من جهته، قال العقيد مصطفى بكور، وهو من قادة «جيش العزة»، إن تحركات «النظام السوري تهدف إلى محاصرة محافظة إدلب بمساعدة الفصائل التي تقاتل معه».
وأشارت مصادر مقربة من النظام إلى أن قواته والميليشيات الموالية له هاجمت مواقع فصائل المعارضة على الأطراف الجنوبية الشرقية لمحافظة إدلب، مضيفة أن التحضيرات جارية لنقل مئات الجنود والعربات من ريف دير الزور، بقيادة العميد سهيل حسن المعروف باسم «النمر»، لقيادة العمليات العسكرية للقوات الحكومية في ريف حماة.
من ناحية ثانية، طردت «هيئة تحرير الشام»، أمس، تنظيم «داعش» من محافظة إدلب، بعد يومين على دخوله إليها مجدداً.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أنه «بعد هجمات معاكسة وعنيفة، تمكنت (هيئة تحرير الشام) من طرد تنظيم (داعش) من محافظة ادلب مجدداً»، مشيراً إلى أن الهيئة استعادت السيطرة على باشكون، التابعة لمعرة النعمان، والقريبة من الحدود الإدارية لمحافظة حماة.
على صعيد آخر، أعلنت منظّمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، أول من أمس، وفاة 5 أطفال في الغوطة الشرقية، في ريف دمشق، التي تحاصرها قوات النظام السوري.
وأوضح بيان صادر عن المنظمة أن «137 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 7 أشهر و17 عاماً بحاجة إلى الإجلاء الطبي الفوري لظروف تتراوح بين الفشل الكلوي إلى سوء التغذية الحاد وإصابات ناجمة عن النزاع».
وأضاف أن «5 أطفال توفوا، حسبما أفادت تقارير، لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها».