الرئيس علي عبدالله صالح (السابق/المخلوع/المقتول)... اختر ما شئت فلا فرق عندي لأنني من الجيل الذي ولد وعاش وسيموت، وهو يرى الأحداث تمر أمامه مر السحاب، فلا المطر يسقط ولا الغيم يظل ولا العقل يرتوي.
وقد جرت في النهر دماء كثيرة بحيث لم يعد لدى هذا الجيل الرغبة في أن يبدي أي رأي حول شكل المنظومة القيمية والمواقف الأخلاقية للسيد الرئيس خلال الأربعين عاماً المنصرمة، ولكن وكما هو واضح فقد أصبح معلوماً من السياسة والتاريخ بالضرورة أن علي عبدالله صالح قد أخرج اليمن من حفر كثيرة بالمكر والدهاء المنقوع في النسيج اليمني، ولكنه في النهاية أسقطه في ثقب أسود يؤخر اليمن سنوات ضوئية وفراسخ نجمية عن وضعه في الماضي فضلا عن المستقبل.
والقصة الجيدة لا يمكن تلخيصها، ولكن لكي لا نكون حائرين ونحن نتظاهر بالفهم، فينبغي أن نتبع النهر من المنبع إلى المصب.
اتفق تماما مع أستاذ القلم في جريدة «الشرق الأوسط» غسان شربل حول أن علي صالح لم يكن لاعباً عادياً على خط الزلازل اليمني...
كان الملاكم الكبير يتلقى الضربات ويسدّد... ينحني للعاصفة ثم يرتدّ عليها... يطلق المدافع ثم يحرك الوسطاء... وعند الاقتضاء يفاجئ معارضاً باتصال هاتفي يستدرجه فيه إلى الحوار وبعدها تجديد المبايعة. كان يقلب أوراق الحكم بين يديه. صناديق الاقتراع وأجهزة الأمن ومدافع الجيش، وقبل ذلك كله معرفة عميقة بخيوط النسيج اليمني ومصالحة عباءة الدولة مع عباءات القبائل... نعم اتفق تماما مع هذا الوصف الرائع للأستاذ غسان.
وليس من شأني أن أحاسب رجلاً عن كيفية إدارة اليمن، في الوقت الذي أجهل فيه هنا كيف يدار كل شيء حولي سواء على مستوى الوزارة أم على مستوى البرلمان!
كذلك لا أريد أن أشير إلى الإنجازات الرائعة التي قدمها صالح لشعبه وأبهرت العالم، ولكنه العالم القديم وحضاراته البائدة وليس العالم الحديث بالتأكيد.
كذلك لا أريد أن أشير إلى تلك الظاهرة العامة التي تمر بنا في عالم السياسة، وهي أن كل من تولى الشأن العام في البلاد العربية وقرر أن يصبح أسير قدره كملاكم كبير لا يرى لحياته معنى خارج الحلبة حيث يتلقى الضربات ويسددها في وجه الشعب، ينحني تواضعاً لرجل كبير في السن، ولكنه يرتد على شاب في مقتبل العمر، يضع البلد كله في قفازات بلا تهوية أو منفذ حتى أصبحت الكوليرا في اليمن كالسمنة في أميركا!! بمجرد أن يموت أو يقتل حتى ننسى كل هذا فقط من أجل لحظة كشف الله له فيها حقيقة كيف أنه سمن كلباً حتى أكل ذراعه، فندم وعاد ومات... واستحق لقب الشهيد !!لا... لا أريد أن أشير إلى هذا، فاليمن أدرى بشعابه، والله أعلم بجنوده.
ولكني أريد أن أقدم مقاربة أخرى حول دوره ودور أمثاله في المنطقة.
ربما كان السيد الرئيس ملاكماً كبيراً في فترة ما، ولكن يده المرتعشة بسبب تسارع أحداث 2011، جعلته يموت كرافع لوحات يعلن من خلالها عن بدء جولة وانتهاء أخرى وهو يدور في حلبة مفرغة يرتدي فيها ملابس تظهر من جسده أكثر مما تستر، حتى عرّى وطناً بكامله وسلمه لصاحب العمامة.
إن الذي جعل صالح يقفز من قطار الحوثيين هو صراع الموارد أكثر منه صراع الأيديولوجيا، وقد أخبرني الجنرال شمس الدين بدران في المقهى عن قصة مؤذني مسجد اشتكى أحدهما الآخر في وزارة الأوقاف، لأن أحدهما أشار للآخر أنه تضخَم كثيراً خلال الفترة الأخيرة، ما جعل صوته يبدو رخيما أثناء الأذان، وبعد التحقيق اتضح أن الموضوع ليس له علاقة بالتضخم بل له علاقة بالتبرعات التي كان يتركها الأهالي في باحة المسجد، فوقع الخلاف بينهما حول الأنصبة تحت مبررات أخلاقية.
فالذي أغضب صالح هو سيطرتهم على صنعاء ومواردها وليس مسخ اليمن وتطريز نسيجه الوطني على شكل السجاد الفارسي، وأفهم تماماً وجهة النظر التي تقول إن سقوط صنعاء يشبه سقوط بغداد وضياع سورية واضطراب لبنان، وقتل صالح أيضا يشبه قتل صدام، والمحافظة على رأس بشار، ودعم «حزب الله»، وكل ذلك يعني نجاح التمدد الإيراني في المنطقة.
ولكننا ننسى أن هؤلاء جميعا يمكن وضعهم في حلبة واحدة حيث استسلموا لمصيرهم كملاكمين كبار يرتدون أرواب الصراع، وهم يسددون الضربات لكل من حولهم حتى أهلكوا الحرث والنسل وتحولوا إلى رافعي لوحات وشعارات ليس أكثر، ليعلنوا نهاية كل ما هو عربي ويقفوا على قمة هرم الزلزال الشرخ أوسطي!! ولا أدري متى سنتعلم من أخطائنا التي أصبحت مادة دسمة للسخرية، فعندما تأخذ المسخرة أبعاداً أكبر من كونها كوميديا، فهنا بالتحديد تصبح مأساة.
إنني من الذين صبروا طويلا دونما جزع وأنا انظر إلى انهيار الأنظمة حولي باسم كل ما هو جميل ابتداء بالدين وانتهاء بالعروبة والوطنية، لأكتشف أن الخاسر الوحيد دائماً هو الدين عبر دفعه ثم وصفه بالتطرف والعروبة عبر مسخها وقبولها بالتطبيع والأوطان عبر تسخيرها للحروب الأهلية، ورغم انني كنت من المعتزلة في الأزمة اليمنية، إلا أنني من الحنابلة في ما يتعلق برفض صناعة قائمة شهداء صنعتهم المطبعة والخبر والإعلامي وأعطتهم مشروعيتها، بينما واقعهم كان لأناس ظلموا أنفسهم وشعوبهم وأذاقوهم رفث القول وكآبة المنظر.
فإذا كانت حاجتنا كبيرة للتعاطف مع أحد، فإن أكثر من يستحق تعاطفنا هو الشخص الجالس بجانبك الآن.
كاتب كويتي
Moh1alatwan@