في تفكيك ظاهرة الكراهية

1 يناير 1970 07:36 ص
  • كل المجتمعات الإنسانية
    تعيش حقيقة التعددية
    والتنوع بكل أبعاده وآفاقه

    الخيار السياسي هو الذي يوقظ الخصوصيات على نحو سلبي

     آن الأوان بالنسبة لنا جميعا
    ومن مختلف مواقعنا
    أن نتحرر من عبء التاريخ

ثمة موجات عنفية خطيرة، تجتاح بعض الدول العربية حيث القتل العشوائي اليومي، والذي يذهب ضحيته العشرات من الأبرياء، وتزيد هذه الموجات العنفية من أزمات وصعوبات الحياة، حيث لا تكتفي هذه الموجات بقتل البشر، وإنما أيضا تقوم بتدمير البنى التحتية للمدن، وتنهي كل أسباب الحياة الطبيعية في المناطق التي تقتل وتفجر فيها. والذي يزيد من خطر هذه الموجات العنفية، إنها تتغذى من مقولات دينية تبر عمليات القتل والتفجير، وتساهم في خلق موجة من الكراهية بين الناس والمواطنين لأسباب دينية ومذهبية وقومية، مما يزيد من مخاطر عمليات القتل والتفجير، ويدخل هذه البلدان في أتون العنف والعنف المضاد، والكراهية المتبادلة. لذلك فان العمل على تفكيك خطاب الكراهية ومقولاته المتعددة، يعد اليوم من الضرورات القصوى لأمن واستقرار المنطقة.
وفي سياق العمل على تفكيك هذا الخطاب، من الضروري القول ان ثمة أفكارا وقناعات عديدة حين التفكير في الإجابة عن السؤال المتعلق بطبيعة ظاهرة الكراهية في المجتمعات الإنسانية... لأن الإجابة السريعة تقول: إن الكراهية بين الناس تتم لأسباب دينية أو مذهبية أو قومية، لذلك فهي ظاهرة دينية - ثقافية، ولا دخل للسياسي في إنتاج ظاهرة الكراهية.
ولكن حين التأمل في هذه الظاهرة المعقدة والمركبة، نجد أن جوهرها العميق جوهر سياسي. بمعنى أن ممارسة الكراهية تتم لأغراض سياسية دنيوية، بحيث يسعى الطرف الممارس إلى إزاحة الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى عن طريقه من اجل غايات سياسية بحتة. لكن لو غاب الانحياز الديني أو القومي الذي يمارس لأغراض سياسية دنيوية، لما برزت حالة الكراهية بين المواطنين لعناوين دينية أو قومية.
ولكن الإرادة السياسية والخيار السياسي، هو الذي يوقظ الخصوصيات على نحو سلبي، فينتج من جراء ذلك التباغض والكراهية بين المواطنين، لأن جميع المواطنين بدأت تتلمس حقيقة أن انتماءها الديني أو المذهبي أو القومي له مدخلية أساسية في نيل حقوق المواطنة الكاملة أو منعها عنه. فلذلك تنمو الحساسيات بين المواطنين، والتي تنتهي بحالة من الجفاء المستحكم... لأن الطرف الممارس للكراهية، حصل على  الخيرات لاعتبارات غير كسبية لا دخل له فيها، لذلك سيستميت هذا الإنسان إلا ما نذر لإبقاء هذه الامتيازات القائمة في جوهرها لأسباب سياسية ودنيوية لا دخل للمقولات الدينية الجوهرية فيها.
وهذا يتطلب من الدول العربية والإسلامية كافة العمل من اجل التالي:
1 - سيادة القانون ورفض اختراقه أو تجاوزه، بحيث يكون التعامل مع جميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم ومنابتهم وأصولهم على حد سواء فللجميع كامل الحقوق وعليه كامل الواجبات.
فكل المجتمعات الإنسانية تعيش حقيقة التعددية والتنوع بكل إبعاده وآفاقه، وبعضها دخلت هذه التنوعات في حقبة من حقب الزمن في صراعات وصدامات دموية، ولكن الجميع لم يتمكن من تفكيك ظاهرة الصدام الدموي بين حقائق التنوع، إلا ببناء منظومة قانونية متكاملة، تكون هي مرجعية الجميع، وتضمن حق الجميع بدون افتئات على احد لأي سبب من الأسباب، ولا تكفي هذه المجتمعات ببناء مرجعية قانونية، وإنما تعمل بكل إخلاص لكي يكون لهذه المرجعية سيادة وحاكمية على الجميع. لذلك فإن سيادة القانون، هو احد المداخل الأساسية لبناء علاقات سوية وايجابية بين جميع تعبيرات الوطن والأمة.
2 - إعادة بناء رؤية وموقف حضاريين من أحدث التاريخ ورجاله. لان الكثير من الموضوعات التي تثير الكراهية بين المسلمين تعود إلى التاريخ. ونحن جميعا لا نتحمل مسؤولية ماجرى في التاريخ رجال تلك الحقبة هم وحدهم من يتحمل مسؤولية ما جرى في راهنهم. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعا ومن مختلف مواقعنا أن نتحرر من عبء التاريخ، ونبني علاقاتنا وفق معطيات راهننا ومستلزمات استقرارنا الاجتماعي والسياسي .
3 - تطوير نظام الشراكة العامة على قاعدة المواطنة الجامعية واحترام الخصوصيات الثقافية والمجتمعية، من دون تحويلها إلى مبرر للانكفاء والانعزال.
ومن الضروري في هذا السياق أن نفرق بين مرحلتين في التجربة العربية... المرحلة الأولى هي ما قبل الموجة الأصولية التي اجتاحت المنطقة العربية بعد انتصار الثورة في إيران وحقبة الجهاد في أفغانستان، وهي موجة ساهمت بطريقة أو بأخرى في إشعار الجميع وعلى نحو عدائي في حدوده الدنيا بين الذات والآخر قاعدة الهوية الضيقة التي يحملها الإنسان ووجوده الاجتماعي، وفي هذه المرحلة ازداد منسوب الخصومة والكراهية بين المختلفين والمغايرين من جراء الخوف المتبادل والتباين في المواقف والنظرات على أحداث وتطورات المنطقة.
فالموجة الأصولية ساهمت في بناء الحدود بين الناس على قاعدة الهوية الدينية أو المذهبية، لذلك تراجعت حقائق التسامح وازدادت صور الإحن بين الناس على قاعدة دينية أو مذهبية.