يمتد المكان في بعض الأحيان ليشمل العالم بأسره. وفي أحيان أخرى يتقلص إلى النقطة الصغيرة الموضوعة في آخر السطر. ومن أمثلة المكان الوطن الذي يقف عليه الشاعر أو يعيش في محيطه، وفي الحالتين الأولى التي تحمل نظرة شمولية للمكان بأسره، أو الثانية التي تتبلور فيها الحال لتصبح مثل النقطة أو الوطن سواء بمعناه السياسي المحدد أو بمعناه الروحي النفساني الذي يمثل للشاعر الواقع والتاريخ والأمل والذكرى.
ففي كل هذه الأحوال يقف الشاعر الشعبي الحديث في منطقة شبه الجزيرة العربية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، موقفًا ذاتيّاً صرفًا بالدرجة الأولى، وفي بعض الأحيان قد ينعكس هذا التمثيل على تصوره للواقع بشكل أشمل، ما يجعل عملية الاندماج بين الذات والموضوع حالة متشابكة تختصر المكان وترسم لنا فلسفة الشاعر الشعبي الحديث لذاته وللمكان الذي يعيش فيه، وذلك أن هذه الحالة تكون انقلاباً في الغالب على مفهوم القبيلة الذي ساد في المنطقة مئات السنين.
وهنا لا أعني من هذا الكلام إعلان فسخ العقد الاجتماعي الذي أحدثته القبيلة كنظام اجتماعي بين الناس، بل ما أعنيه أن فهما جديدا بدأ بأخذ مكانه في وعي الناس وانتماءاتهم، باعتبار أن الوطن ما هو إلا قبائل مجتمعة في بوتقة واحدة احتواها نظام سياسي حديث. وحتى لا يكون هناك خلط بين المكان والمدينة، ونظرا لأن موضوعات هذا الكتاب تكاد أن تكون متداخلة إلى الحد الذي يصعب الفصل بين أجزائه المتشابكة في ما بينها، وحتى لا يكون هناك خلط بين هذه المفاهيم، فإن الموقف من المدينة في الغالب يشير إلى وجود صدمة حضارية ارتبطت بالشاعر وعكست نظرته إلى الوجود والعالم من حوله، وخلقت لديه في الغالب حنيناً إلى الماضي وأنه لا يقوى على الانفلات من قبضة الذكريات التي تشكلت معه منذ الصغر.
وهناك من الشعراء من حاول مسايرة هذا الواقع والانغماس فيه والتعايش فيه وإن كان تعايشاً مشوبًا بالحذر والخوف كما هو الحال مع حصة هلال «ريمية». أما في هذا المبحث فسيكون الحديث عن المكان ينطلق من رؤية لا ترتبط بالمدينة بقدر ما ترتبط بالمكان من حيث كونه حالة مطلقة، وإن تم الميل في بعض النماذج إلى مسألة الوطن، كإفراز حضاري لمفهوم القبيلة في الماضي، غير أن الشعراء انتقلوا من الحالة الاجتماعية ذات الصلة بالإنسان إلى حالة جديدة، وهي حالة سياسية مرتبطة بالهوية الحضارية وكينونة الذات داخل المجموع، أي الذات الوطنية في نسيج عالمي واسع أخذ يتشكل مع بدايات القرن الماضي، لا سيما في العقدين الأولين ومنتصف العقد الثالث من القرن العشرين.
يربط مسفر الدوسري كعادته الأماكن بالمرأة أو الحديث عنها من خلال إدخال صوت الأنثى بطريقة أو بأخرى:
مدري جفتني الأمكنة
وإلا المكان اللي... جفاك؟!!!
لا انتي هنا...
ولا هناك!
فهو هنا لم يتحدث عن الأمكنة من حيث كونها مرتبطة بعالم التضاريس أو الحدود الجغرافية، بقدر ما تطرق لها من حيث كونها حالة مطلقة ترتبط بالإنسان ويرتبط الإنسان بها «لا انتي هنا... ولا هناك» وذلك أن الأماكن لا تكون شخصيتها واضحة ما لم تكن الأنثى موجودة فيها، لهذا صارت الأماكن عنده أشبه بالحالة الهلامية، غير أنه في نص آخر وهو «الوطن ما هو قصيدة» يجسم لنا هذا المكان بحالة ثابتة مؤطرة تنطلق الرؤية له ومنه من خلال صوت الأم، وهي رمز أنثوي دال على الحياة حاله كحال الوطن، غير أنه ينقل إلينا هذا التصور بطريقة نمطية تجعل مسألة التفكير فيه جامدة:
الوطن ما هو قصيدة
تنكتب في قلب دفتر
الوطن يا وليدي كلمة
تختصر ماضي وحاضر
تختصر أحلام باكر
الوطن موال أخضر
الوطن أيام حلوة
الوطن أيام عسرة
بيت وذكرى
شمس وقمره
شوق دافي
حب دايم
في عيون الكل يكبر
رغم أن القصيدة ككل تتناول قضية إنسانية تتعلق بحياة الناس وهذا ما جعله يردد في بعض أسطرها «الوطن يا وليدي ناسك.. يمه ناسك.. عزوتك وحبال راسك..» مما قربها من الفهم النمطي للحياة العربية، أقول: رغم أن الشاعر تناول في هذا النص قضية إنسانية إلا أنه حاول قدر الإمكان، من خلال المقطع الذي أوردناه هنا أن ينقل لنا المشهد من الداخل الإنساني لا من الداخل الاجتماعي العام، من أجل أننا معنيون بعكس الفهم الذاتي للحياة، وهي حياة كل شاعر من خلال نصوصه لا الحياة العامة النمطية التي يغلب عليها اللغة المباشرية والفهم التسطيحي المباشر، لهذا لا نرى في هذا النص أي دلالة رمزية لتخصيص الوطن أو الحديث عن مكان بعينه، وهذا ما منح هذا النص قدرة على الرسوخ في الوعي وانتمائه للإنسان من حيث كونه حالة عامة لا تؤمن بالانتماء لجغرافيا أو إقليم معين، بقدر ما سعى الشاعر لربط الإنسان بجذوره بالأرض والمكان وتعامل مع هذه الأشياء كونها حياة أخرى لها ظروفها ولها ذكرياتها التي تجعل الإنسان متصلاً بها.