خواطر صعلوك
مانجا من تحت... فراولة من فوق!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
09:32 ص
سأنطلق من أن تعريف الأدب الذي أقصده هو كل ما هو معروض من نصوص كتابية بجميع أشكالها المتفق والمختلف عليها، سواء في قالب الرواية أو الشعر أو النثر والمقال والقصص الصغيرة بأنواعها والقصيرة بأحجامها، وسأنطلق من أرضية أخرى لأعرّف الثقافة على أنها مجموع ما هو مكتوب ومقروء ومرئي ومسموع ومصنوع ومستهلك ومتداول ومحكي، وما هو مسكوت عنه وما يجوز وما لا يجوز... وتفاصيل أخرى لا يسعها المقال.
واسمح لي بانطلاقة رشيقة ثالثة أُقسم فيها - على طريقة الكشافة - أنني لا أقصد الإساءة إلى أحد، وأنني أصغر من أن أفض نزاعاً بين أهل الأدب أو حتى أهل الطرب، ولكنني في معرض الكتاب الدولي سمعت نزاعات وهمسات وجلسات وتصاريح ومقالات حول أن ما هو معروض في المعرض منحط ولا يليق بالأدب والثقافة بما هي في جزء منها مجموع القيم المجتمعية المتفق عليها ممن سبقونا وورثوه لنا.
والآن ندخل في الموضوع باسم الله.
إن معرض الكتاب الدولي يمثل موسماً للمثقفين والمفكرين والأدباء والفنانين والشعراء وكتاب المقالات بمن فيهم العبد لله، الذي يقع دكانه فوق الرصيف وتحت الجدار، وبالتحديد عند «بوثات» القهوة والشاورما، وفي هذا المعرض يجتمع الجميع على طاولة كبيرة بحجم ثلاث قاعات ومطعم «فاست فود».
وسيعرض الجميع ما لديه، ليعبر عما هو مشترك في الشعور العام وما هو متفق عليه في اللاشعور، وستعرض بضاعة مزجاة سيختلف عليها ما بين أنها خرقت ما هو مشترك ومتفق عليه وما بين أنها شكل جديد غير مؤطر بإطار من سبقونا، وربما نبدأ بالإشارة إلى ملابس معينة يلبسونها أو عادات غريبة تمارس بالنسبة إلى مثقفين وأهل صنعة واحدة.
وما أريد الإشارة إليه، أن كل ذلك يعتبر جزءاً من الثقافة العامة للمجتمع، بما في ذلك نزول «الفاشينستات» للمعرض وتأليفهن للكتب، أو دور النشر التي علقت لوحة مخفية كتب عليها «بناء على طلب الجمهور نقدم الكتب ورؤوس خرفان طازجة».
وهنا لا أحاول الدفاع عن أحد أو الإساءة إلى أحد، ولكن الأدب كما أنه في إحدى صوره يقدم صورة مرادة أو متخيلة أو جميلة للمجتمع، فهو أيضاً في إحدى صوره يقدم صورة مطابقة للواقع أو في جزء منه على الأقل.
إن الجماهيرية العريضة للأدب المختلف عليه أو لبعض المؤلفين الجدد أو الشعراء حديثي الولادة أو أي كائن من كان، ما هي في الواقع إلا نتاج الثقافة العامة وما وصلت إليه، وهذا الأدب بالتحديد هو ذاته نتاج هذه الثقافة العامة وما أنتجته... وهذا يعني أن النزاعات والهمسات والجلسات والتصاريح والمقالات الناقدة عليها ألا تتفجر كل عام بمناسبة معرض الكتاب فقط، ولكن عليها أن تتفجر طوال العام وعلى كل المستويات، لأن معرض الكتاب هو الشكل النهائي الملموس والمادي لحال الثقافة العامة طوال السنة، بما في ذلك شكل مشاركة المؤسسات الحكومية وكيفية تقديم خدماتها واختيارهم لمن يقف في «البوثات» أمام الجمهور المثقف وكيف ولمن يقدم خدمات المؤسسة.
إن الموضوع أبسط من مؤلف كالثعلب لا يهتم إلا بالفريسة الحالمة وأبسط من دار نشر كالخفاش لا تبحث إلا عن سقف الأرباح، وأبسط من جمهور يبحث بفضول عن نصوص تحاكي المسكوت عنه، وأبسط من قائمة كتب تم منعها لتظهر في المعرض بصور بشرية، وأبسط من أديب أو أديبة أو حتى مفكر يتكلم عن ما وصل إليه معرض الكتاب بحرقة لاجئة فقدت وطنها أثناء الحرب وفقدت ولدها أثناء العبور من البحر.
صدقني عزيزي القارئ، وأقسم لك بالله أنه كان من الممكن أن أنفش ريشي وأقول لك «إنه سيكون من العبث أن يحاول الإنسان إدخال نفسه في متاهة حين يؤسس واقعة الموضوع على الامتلاء الذاتي الانطباعي، وأن يؤسس موضوعيته على عدم وجوده، فلن يخرج الموضوعي أبداً من الذاتي ولا المفارق من الحال ولا الوجود من اللاوجود... ورب قائل يقول إن الشعور يعرف بوصفه متعاليا،وهذا صحيح وهو اكتشاف جوهري، إلا أنه يجعل موضوع الشعور غير واقعي كطرف لقالب الشعور ويكون وجوده هو وجوده المدرك... ويكون بذلك القائل غير مخلص لمبادئه». ومن خلال هذه السطور، تكون قد تمت إدانة كل مؤلف أو مؤلفة أو دار نشر خالفت ما اتفق عليه المجتمع، ولكن في النهاية فلا أنا أعرف ما كتبه ولا أنت فهمت ما أقصده.إن الموضوع بكل بساطة هو أن هناك مجموعة مؤلفين حالهم كما قال إبراهيم نصرالله كحال الفيلم الذي يعرض في مهرجان للنخبة والمثقفين، ويعرض في مناسبات مغلقة لمجموعة من المهتمين، ثم يعود إلى علبة الشريط ولا يظهر إلا في مهرجان آخر أو قد يبقى حبيس الرف عشرين عاماً... لا يعرفه الجمهور وليست لديه القدرة على النزول في شباك التذاكر، وهناك مجموعة أخرى حالها كحال تشبه ما أردت كتابته، ولكنني أعلم أن مسؤول الصفحة سيحذفه... وهناك مجموعة ثالثة تعرفونها تمثل أهل الصنعة وفخرها والواجهة الأدبية، وكل جمهور يختار ما يناسبه، وكل جمهور يمثل جزءاً من الثقافة العامة... فما غلب فهو الغالب... والبيضة اسمها بيضة لأن لونها أبيض. وكما غرد الكاتب المبدع فالح بن حجري «يا أديب... كن غريب»، أو كما فعل صديقي الأديب في المقهى بعد أن زار المعرض حيث طلب عصير كوكتيل مانجا من تحت... وفراولة من فوق!
كاتب كويتي
moh1alatwan@