خواطر صعلوك

إذاً... لا شيء يعجبكم!

1 يناير 1970 09:32 ص
عن ماذا يمكن أن يحدثكم كاتب يجر وراءه ثلاثة عقود فقط من الخبرات نستثني منها العقد الأول في الطفولة والثاني في المراهقة والثالث بين مجموعة كتب وأربع علاوات، من دون أن تشعروا بالملل أو أنه يقصد إهانة أحد منكم إذا دافع عن غيركم. كاتب أقل ما يقال عنه إنه يظهر لكم كل سبت وأربعاء من خلال نافذة صحافية يريد من خلالها أن ننظر جميعاً للأفق وليس إلى أصابعه، بينما نافذة بيته الحقيقية تطل على جدار!

وفي الواقع، لقد تحدثت معكم عن هذا الجدار من قبل، ربما كان مقالاً بعنوان «سوسيولوجيا التأجير»، ولا داعي لأن تعود إليه، لأني أنا نفسي نسيته... فهل ستصدقوني إذا قلت لكم إنني لا أهتم بما كتبته، بل أهتم بما سأكتبه. وما الذي يمكن أن يكتبه كاتب مثلي يعتقد أن ما لم يكتبه بعد أهم مما كتبه!

لقد كنت أعتقد أن من يكتبون في الصفحة الأخيرة هم فقط أولئك الكتاب الذين وصلوا إلى مرحلة من الوعي ومجموعة من الخبرات والقيم والشهرة وقوائم هاتفية مميزة تؤهلهم لأن يكونوا واجهة للجريدة من خلال صفحتها الأخيرة التي لا تقل أهمية عن الأولى، وبأن مقالاتهم يشار إليها كمرجعية في سياقات مختلفة لما فيها من حلول مجتمعية واقتصادية ورؤية شاملة أفقية وعامودية.

ولكن ما إن وضعتني إدارة جريدة «الراي» الغراء التي يحبها القراء أمام الجمهور وبلا وسيط وفي لحظة لم يدر بخلدي فيها يوماً أنه من الممكن أن يشار إليّ بلفظ: الكاتب! حتى اكتشفت أنه من الممكن أيضاً أن تكون هناك نوافذ تنمو وتتعلم أكثر من كونها تصب وتوجه، نوافذ يشعر صاحبها أنه ليس (الكاتب) على الإطلاق، ولكنه ذلك الطفل الذي ما زال ينظر للسماء ويتساءل عن مدى جهله ورغبته في التعلم، طفل مازال يصاب بالدهشة كلما تلمس الغيب، والغيب هو ما لا يرى، وما لا يرى لم يكتب بعد، وما لم يكتب بعد هو ما يهمه.

بماذا يمكن أن يحدثكم كاتب مثل هذا، تواجد في الصحافة بطريقة مثل هذه، ونافذته أصلاً تطل على جدار؟

حسنا... وبعيداً عن الثرثرة الشخصية.

هل أحدثكم عن رضيع تعرض للمسة كف خادعة بالحنو والرحمة من الخادمة أمام أمه، وتعرض لضربة كف صادقة بالقسوة وعدم الأهلية في غيابها؟

أم أحدثكم عن طفل اعتقد أبواه أن التربية هي حاصل مجموع ملابسه وعدد أصناف طعامه وقدرته الشرائية لسلع لا يحتاجها، وألعاب يجلس أمامها بالساعات وهو يخاطب عبر الشبكة أناساً لا يعرفهم، وإعطائه حرية أثبتت التجربة أنها مسؤولية كبيرة بالنسبة إلى طفل والتغافل عن أخطاء تثبت في كل مرة أن حاصل هذا المجموع التربوي خاطئ.

أم أحدثكم عن أم سقطت بكل ثقلها في مكر مكرته عيادات التجميل، لترسم على وجهها ملامح ليست ملامحها، وترتدي ما لا يناسب عمرها، لتنافس خصائص عمرية ليست خصائصها، وتركب موجة تنسى فيها أنها منارة لسفن أبنائها... وأعلم جيداً أنها ستقول إذا قرأت كلامي (وإنت شكو يالمليق)... ورغم ذلك فلا، لن أحدثك عن هذا أيضاً.

ربما أحدثكم إذاً عن أحد الذين اكتسبوا عادة المشي عندما يشعرون بالحنين لوطن تغير أو هوية ثقبت، فيمشي مسارات الرجوع، ويركض مسافات أكثر من تلك التي ركضها فورست غامب في شوارع هوليوود، ليكتشف أنه توقف فجأة في محطة ليست محطته بين أناس لا يعرفهم في وطن على الدوام ينبذه.

ولكنني أعتقد أنها مواضيع مملة تطفئ حريق الغابة ولا تزرع شجرة، ولذلك لن أحدثكم في مواضيع مثل هذه.

هل أحدثكم عن الفساد كنغمة نسمعها طوال اليوم ولكننا لا نعرف مصدرها، فأكتب لكم عن السائر فوق الرصيف وتحت الجدار والذي كلما اقترب خطوة من حلمه، ألف خطوة وخطوة أخرى تبتعد عنه ويرى اللصوص المارقين العابرين يؤشرون بأصابعهم فتأتيهم ألف خطوة وخطوة أخرى بلا مجهود منهم، ثم أعرج لكم لأكتب قصة صديقي الذي أصبح في الفترة الأخيرة يبدي اهتماماً كبيراً بقصص الثروات الضخمة التي تكونت بين ليلة وضحاها لأناس سمع عنهم، حتى إنه فكر أن يؤلف كتاباً لكثرة ما سمع وشاهد، لدرجة أن أمه قالت له:«ما الذي يبهرك في قصص ثروتها تقع بعيداً عنك؟»، فرد قائلاً: «نصف العمى ولا العمى كله».

فقالت له: «الله يعينك على نفسك، إنه العمى كله»!

لا لن أحدثكم أو أستفيض في قصص مثل هذه... فلا جديد فيها.

ما رأيكم لو أحدثكم عن خطورة التجمعات الفئوية في شكلها البري والقبلي والبحري والعائلي وما تمثله من خرق يتنافى مع جوهر المدينة بصفتها كياناً واعياً، متفاعلاً ومتجانساً يهدف إلى تفعيل العلاقات الاجتماعية ودفعها إلى أقصى درجاتها كما نص الدستور.

أقسم بالله لن أحدثكم عن هذا أيضاً، لأنه لن يعجبكم... في الواقع لا شيء يعجبكم... ولا شيء يعجبني!

فما الذي يمكن أن أكتبه إذاً؟

لاشيء... فهل تسمحون لي أن أصمت اليوم فقط؟!

كاتب كويتي

moh1alatwan@