ترويض النفس قبل... التسامح

1 يناير 1970 05:00 م
في البدء يتطلب الامر ان نوضح انه لا تحمل كلمة او مصطلح «ترويض» أي معنى سلبي سواء كتبت بمعناها الحقيقي أم بمعناها الرمزي، فكلمه «ترويض» تختزل كل المعاني الإيجابية، فالترويض بمفهومه العام يفيد التعديل والإصلاح والتقويم والتحسين والتطوير، وكما يقال «روَّض المرء نفسه» كما تعلمنا في «النقد» ان نقول: لقد روَّض أحمد شوقي في قصائده أصعب القوافي، وترويض الشرسة من أعمال شكسبير الخالدة، كما ان المصطلح «ترويض» اخذ يتوسع حتى اصبح يطلق على «ترويض العقول وترويض الشعوب و ترويض الغضب وترويض السلوك وترويض المفاهيم وترويض الجوع... الخ».

لذا ينبغى علينا قبل أن نتخذ أي قرار أو تبني أي مراد أو الرغبة في تغيير المسار ان نستشعر قوة «الترويض» الداخلية في انفسنا فإذا تملكنا زمام المبادرة والقيادة فستكون النتائج فوق الطموح، أما اذا اخفقنا في «الترويض» فإن الادانة تتعدى التوبيخ والتجريح، فمبدأ التسامح وقيمه واهدافه واشكاله، ينبغى ان تكون واضح مجسدة مجسمة، نابعة من تملك المشاعر والاحاسيس، حتى يظهر للاخرين محاسنه ونتائجه وصوره المشرفة المشرقة، فقبل الاقدام على اعطاء «التسامح» يجب ان تكون النفس مالكة فى التأصيل والاصل، وتدربت على ترويض التسامح نفسيا وعقليا وفكريا وذاتيا «فاقد الشيء لايعطيه» فمقدار مانملكه من التسامح سيشهده الناس، واختزال ما نؤمن به سيظهر في أوقات الذروة!

وحيث ان التسامح مطلوب ومرغوب فهو يمثل قناعات نفسية انسانية راسخة في المجتمع الكويتي والتاريخ الشعبي «يدون» حكايات خطت بماء الذهب لمفهوم التسامح الكويتي وجيل جبل عليه فان هذا الوضع مستمر وسيستمر طالما هناك نماذج تمتلكه، ونفوس تصنعه، واياد تنشره، فلنبدأ بالتسامح مع أنفسنا أولاً «فالنفس أمانة» ومن ثم نروض التسامح والتصالح الداخلي ونمتلكه ومن بعد نمد العالم الخارجي بالتسامح عن قوة وايمان، وليس عن تنازل او تهاون وخذلان، فالنفس راغبة اذا رغبتها.

فالخاسر هو من تهزمه نفسه، و«يخزن» الغيرة والحسد والمنازعات والمشاجرات والأزمات والاحتقانات والصراعات فإنه يمثل «صراعا نفسيا» لايستقيم مع التسامح، لذلك فالقلوب الصادقة الرابحة الناجحة هى التي ترتبط بترويض ثقافة القبول بالآخر والانفتاح الفكري والمعرفي ومهارات الحوار، وغرس قيم التسامح، بعيدة عن التعصب والتطرف والعنف.

لهذا لنبدأ من جديد ونكرر، نبدأ بترويض انفسنا أولا ونغيرها للهدف المطلوب، ونشبعها ونشجعها بمبدأ التسامح والتصالح النفسي لتكون «قاعدة» اساسية نحو الانطلاق بقوة وعزيمة، الى نقل مبادئ الحياة الامنة المطمئنة المتمثلة في التسامح بكل أشكاله الاجتماعي والديني والعرقي والثقافي... الخ، وهذا هو «سر» المجتمع الكويتي الذي اصبح افراده كنسيج وسور محمي لصد الهجوم الخارجي «الشعوبية والفئوية والمذهبية» ومن حقه الكويتي ان يعتز بثقافته وتراثه الأصيل.

* مستشار اجتماعي

[email protected]