منذ أيام قليلة، كنت أزور صديقي الحكيم الذي هاجمه المرض، ونقل على عجالة للمشفى إثر أزمة مفاجئة.
كان المكان يعج بمختلف الألوان التي تشكل خليطاً مجتمعياً عجيباً، حتى أني رأيت صديقي بينهم بصعوبة، ولما اتجهت إليه، وجلست بين يديه، لم يتمالك نفسه من الاسترسال في الشكوى من الضجيج المميت، والإجراءات الروتينية القاتلة، لكني في سبيل التخفيف عنه أخذت أجاذبه بعض الحديث المعجون بالفكاهة والسخرية والجدية أحياناً.
ولا أدري أمتعة حكاياته، ورغبته في الحديث عن ذكرياته، أم حسن إنصاتي وطرافة تعليقاتي كانت السبب في خوضنا مناحي كثيرة، وسيرنا في طرقات عسيرة، نجمع منها العديد من القصص المثيرة، لكننا على أية حال أمضينا قرابة ساعتين في حديث متصل، كلما أردت أن أنهيه لإشفاقي عليه، بادرني بأطراف جديدة تجعلني أنصت إليه.
ثم باغتني بالسؤال: لقد تحدثت إليك كثيراً اليوم ،ولعلك سئمت طول حديثي، وليس عليك في ذلك أي لوم، لكن هل عرجت بك على قصة أحمد أفندي؟
قلت: ومن أحمد أفندي؟ وما قصته معك؟
قال: كنت في المرحلة الابتدائية وقتها، وكنت أشعر بالفخر بنفسي وبطريقتي في التفكير التي تختلف عن أقراني، فقد سقتني أمي من ثقافتها، وعلمتني من خبرتها ما هذب روحي قبل عقلي، فقد كانت تحسن عدة لغات، وتعزف العديد من الآلات، وتحفظ من الأشعار والأذكار والآيات ما يجعلها مكتبة حية بالمقارنة بعصرنا هذا، لذا ، فقد تفوقت على أقراني بفضلها، وتألقت بينهم بعلمها .
وكان من حسن حظي أن يدرسني في تلك المرحلة، أستاذ للغة العربية اسمه أحمد أفندي، لكنه ما كان يعلمنا العربية فقط، بل كان يدرسنا الدين والتاريخ والتربية الفنية أيضا، وقد وقعت في غرامه، وتعلقت بحكمته وفصاحة كلامه، وأعجبتني طرقه في تعليمنا، وعقله ومنطقه في تفسير ما يعن لنا من مسائل تقف عقولنا عن فهمها، والغريب في ذلك كله أنه لم يكن خريج الجامعات، أو جامعا للشهادات، بل كانت لديه شهادة متواضعة.
ولما انتقلت إلى المدرسة المتوسطة، كان كل أساتذتنا من حملة الشهادات الجامعية، لكني لما كنت أقارن بينهم جميعا وبين أحمد أفندي، كانت كفته دائما الراجحة.
ثم تخرجت لألتحق بالمدرسة الثانوية، وكان بعض معلمينا حاصل على الدكتوراه من جامعات عربية مرموقة، لكنهم رغم ذلك لم يتفوقوا على أحمد أفندي.
ومرت السنوات، وتخرجت من الجامعة، وحصلت على بعثة لبلد عربي ذائع الصيت لأكمل دراساتي العليا، ولا تزال كفة أحمد أفندي ترجح بلا منازع كلما قارنته بكل من درسني حتى أولئك الذين تخرجوا من السوربون أو ما يضارعها من جامعات أجنبية.
ولما أسعدني حظي أن ألتحق بجامعة أكسفورد، وتعاملت مع علمائها، وجدت أن أحمد أفندي كان يضارعهم علما ومعرفة واتساع أفق وانفتاحاً على الحياة.
كل ذلك، وعلاقتي مع أحمد أفندي لم تكن تتصل إلا لماماً، ولما قابلته في إحدى إجازاتي من الدراسة في لندن، وجدته قد طعن في السن، وحاله الاقتصادية متردية لحد يرثى له، لكنه ما زال متماسكا صابرا قانعا، ولم يتغير فكره أبدا عما عرفته.
مرت بنا الأيام، واستقر بي الحال في لندن أدرس في جامعتها، ولم تكن زياراتي لبلادنا كثيرة، وذات يوم هاتفني شقيقي ليخبرني بوفاة أستاذي الذي أعتز به، رحل أحمد أفندي فقيراً راضياً، وترك لي ذكرى وعرفانا بالجميل يطوق رقبتي أبدا.
كم أوجعتني القصة، وتركت في روحي ألماً عظيماً، تركت صديقي يستريح، لكن قصته لم تتركني لأستريح، جلست أطالع أحوالنا، وكيف نعشق الظاهر ونهمل الباطن! كيف نهتم بالشهادات، ولا نلتفت للخبرات ، فكم من أحمد أفندي في مجتمعاتنا يموت فقيراً وحيداً لا يقدره مجتمعه!
ماذا لو قدرنا الناس حق قدرهم، وأحسنا إليهم، ووفيناهم حقوقهم، وصنفناهم على قدر خبراتهم وإسهامهم في بناء المجتمع بدلاً أن نودعهم خزائن الاستيداع المبكر، ونحرم الأوطان والأجيال من استثمار خبراتهم؟
[email protected]