خواطر صعلوك

أربعة كراسي... ومجنون!

1 يناير 1970 11:24 ص
إعلان:

تعلن مجموعة «اليد البيضاء والخوذة الصفراء» عن إدارة جلسة «Group therapy» للعلاج النفسي والاسترخاء لما بعد الصدمة الوزارية وتجربتها الشاقة على المشاركين في الحكومات، فعلى الراغبين في التسجيل التواصل مع المعالج النفسي الكبير «عبد البيروقراطية بن الأحمر» صاحب الخبرة الطويلة في هذا المجال.

مسرح كبير وفي الوسط أربعة كراسي متقابلة كصليب أو كمئذنة... لا يهم طالما أننا أصبحنا نقتل بعضنا، وعلى الكراسي الأربعة بقعة ضوء آتية من مكان لا نراه ولكننا نعلم وجوده. وكراسي الجمهور فارغة من الأشخاص عدا كرسي واحد لشخص قرر أن يحضر العرض لأنه كان هارباً من سيارة الطب النفسي التي تلاحقه، فوجد نفسه أمام باب المسرح فدخل. ورغم أن المعالج النفسي عبد البيروقراطية لم يحضر لإدارة الجلسة... إلا أنها أدارت نفسها كحال وطن يستيقظ صباحاً على بصمة وينام مساء على حادثة في «السوشيال ميديا».

الكرسي الأول:

- أنا وزير سابق... وأجمل شيء في الدنيا أن تكون وزيراً، وأتعس شيء في الدنيا أن تكون (سابقاً). لذلك، ففي كل مرة أعرّف فيها عن نفسي، أحمل مشاعر متضاربة وذكريات متصارعة، فالابتسامة الودودة والسلام الحار يصاحبان ذكريات الوزير مع الوفد المرافق له، والتظاهر بالانشغال والابتسامة الشامتة تصاحب (السابق) مع كل من تعامل معهم. كان الجميع يقول لي إن كل شيء على ما يرام، ولكن مع أول تصريح للوزير الجديد اكتشفت أنني كنت مخدوعاً، وأن الوفد المرافق لي كان وفداً منافقاً لي!

الكراسي الثلاثة بصوت واحد:

- كلنا معك وندعمك ونحبك حباً غير مشروط.

الكرسي الثاني:

- تجربتي غريبة... فعندما كنت وزيراً، كان كل شيء حولي يسير في خط واحد، الزمان والمكان وأصدقائي في الديوانية الذين يقدمون لي باستمرار اقتراحات لتطوير العمل، وموظفو الوزارة الذين يرسلون لي فيديوهات لتجارب دول أخرى طورت الوزارة، وأبنائي في البيت الذين ينقلون لي آراء معارفهم حول حلول بعض المشاكل. ولكن لم يكن لدي الوقت لأحك رأسي، حيث سقطت في فخ صراع الوكلاء ومديري القطاعات، وأسئلة برلمانية أسبوعية تكتب في دقائق وتحتاج أشهرا للرد عليها، وتهديد بالاستجواب والرفع على أسنة الرماح... حتى استيقظت من النوم، فوجدت أن الحكومة كلها سقطت في تغيير وزاري شامل. أحياناً، أقول ليتني لم أدخل الوزارة!

الكراسي الثلاثة بصوت واحد:

- كلنا معك وندعمك ونحبك حباً غير مشروط.

الكرسي الثالث:

- كنت طوال عمري أجلس بجانب الهاتف في انتظار الاتصال الذي سيخبرني أنني الوزير الجديد... ولكنني ذهبت للحمام، أعزكم الله، فردت الخادمة بدلاً مني، ما جعلني أنتظر أربع سنوات أخرى! هل تصدقون أن الذهاب للحمام قد يكلف المرء أربع سنوات من عمره؟! ولكن في النهاية أصبحت وزيراً وكنت في غاية السعادة، ليس بسبب كوني وزيراً، ولكن لأنني كنت أحمل مشاريع وتصورات، منها على سبيل المثال أن الكثير من المشاكل والمعوقات سببها عدم التواصل المباشر مع الموظفين الصغار، ولكن في أول يوم لي قال لي أحد المستشارين «إن تصورات من هذا النوع مضيعة للوقت، وقدح في هيبة الوزير، لأن التعامل الصحيح يكون بالنشرات الآتية من الأعلى وليس البدء من وعي الناس الذين في الأسفل»... عندما جاء الاتصال الذي أخبرني بأني خارج التشكيلة الجديدة، غادر جميع المستشارين غروب «الواتساب»، وتمنيت لو بقيت في الحمام ولم أخرج منه.

الكراسي الثلاثة بصوت واحد:

- كلنا معك وندعمك ونحبك حباً غير مشروط.

الكرسي الرابع:

- كل من في القاعة يعرفني ويعرف سلالتي التي كانت سبباً لتسلمي الوزارة، ولا أريد أن اتكلم عن أجدادي، فدونكم «غوغل» لتستزيدوا منه. ولكنني سأتكلم عن ظاهرة غريبة تمر بنا كوزراء، وهي أن تغريدة طائشة في «تويتر» كانت تقلب مزاجنا لأسبوع، بينما القرارات الصائبة التي نتخذها كانت تقلب حياتنا رأساً على عقب طوال فترة الوزارة، فنسقط في فخ عالم افتراضي لا نعرف دوافعه، وعالم سياسي لا نعرف من يقف خلفه، وبمجرد أن نخرج من الباب الأمامي بصفة وزير سابق، حتى نكتشف أننا كنا نعيش سياقات وهمية اعتقدنا يوماً أنها دائمة... ولا دائم إلا وجه الله وما سعى إليه، أحيانا أسمع في أذني صيحة أسلافي وسلالتي وهي تقول «أنت لم تعبر عنا... لقد كنت خائفاً مهزوزاً»!

دقيقة صمت... ثم فجأة يصدر في المسرح صوت جلبة ووقع أقدام. يتقدم ثلاثة أشخاص يرتدون معاطف بيضاء يبحثون بين الكراسي عن المجنون الهارب، يقفز المجنون بين الكراسي وهو يصيح «إنكم تسيرون في الاتجاه الخاطئ، أنا طير من طيور الجنة لا حساب ولا عقاب لي! راقبوا من يعتلي المنصة».

يقبض الثلاثة على المجنون ويعطونه جرعة مخدرة، ثم يسحلونه عبر أروقة المسرح إلى سيارة النقل... تغلق الستارة والأضواء... وينام الوطن!

كاتب كويتي

moh1alatwan@