خواطر صعلوك
دخلت ككويتي ... وخرجت كوافد!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
12:54 م
دخلت المصعد وبحثت في لوحة المفاتيح عن الدور الخامس عشر الذي أقصده فلم أجده بين الـ 32 دوراً المتبقية، فتشت عنه في سقف وأرضية المصعد ولكن زر الرقم اختفى!
دخل وافد بدا عليه أنه يعمل هنا، سألني بلطف: أي دور تريد؟ ابتسمت بتصنع وكأنه قد أزاح عني هم مهمة البحث والتنقيب، وقلت له الدور الخامس عشر لو تكرمت... ضغط على الدور الثالث ثم ضغط على الدور الرابع عشر.. ابتسم وهو يعتذر قائلاً:
الدور الخامس عشر اختفى بالكامل من المبنى كما تلاحظ على لوحة الأرقام.
وعندما ظهرت نظرة بلهاء على وجهي، انفجر من الضحك وقال بوجه باسم «ستضطر أن تصعد إلى الدور الرابع عشر ثم تصعد من سلم الطوارئ للخامس عشر... هكذا الوضع منذ أسبوع بسبب تكاسل شركة الصيانة».
شكرته عندما خرج للدور الثالث واعتبرت طريقته في السرد ممتعة للغاية وخفيفة ظل، حيث عادة لا نقابل خفيفي الظل في المصاعد.
جارك في المصعد هو ذلك الكائن الذي يراقبك وتراقبه في غرفة بمساحة سرير طفل، ورغم ذلك فإن كل واحد يظهر عدم اهتمامه بالآخر، ورغم أنكما اثنان أو ثلاثة في هذه الغرفة، إلا أن كل واحد يكون وحيداً... وحيداً إلى درجة الانهيار.
ورغم أنك تركب المصعد وأنت تعلم أن النهار مازال في أوله، إلا أنك تشعر بحالة من تباطؤ الزمن تتضاعف في تباطئها كلما زاد عدد الواقفين بجانبك حتى أنك لتقسم عند خروجك من المصعد أن النهار الآن في آخره.
هذه الغرفة الصغيرة المتحركة يزاول فيها الجميع نشاطاً بشرياً، ولكنه عابر لا يترك أثراً يجعلك تشعر أن هناك أحداً ما مر من هنا، عدا أصحاب العطور الفوّاحة الذين لا يتركون مكاناً إلا ببصمة تقول: «لقد مررت من هنا»... دائماً أدعو الله أن يكونوا ضيوف المصعد قبلي، فأمارس دور مستشرق يستلهم الخيال والسحر أكثر من الحقيقة والمنطق لأخمن من كان هنا قبلي خلال رحلة الصعود أو الهبوط داخل الغرفة الملعونة في البنيان.
عندما أركب المصعد وأكون وحيداً، أبحث عن المرآة لأنظر فيها، أبتسم كأبله وأرقص كمجنون ثم أجمع حواجبي كقائد عسكري يستعد لإلقاء خطبة، ثم أحاول أن أضفي على ملامح وجهي نظرة شيخ صوفي فقد طريقته ومريديه ونسي نفسه، ثم أبحث عن كاميرا المراقبة الخبيثة التي تراقب أمثالي من المجانين في المصاعد.
كلما شاهدت كاميرا في الشوارع أو المجمعات أو في المؤسسات أتذكر (فوكو) المراقبة والعقاب... ثم هيجل والدولة... ثم أدخل في سجال حول أيهما أهم الأمن أم الحرية وأخرج بخفيّ حنين.
ما إن يُفتح باب المصعد حتى تجد بعض الناس الذين ينتظرون قدومه يقفون في الخارج أمام الباب مباشرة، بمسافة قريبة ووجوه عابسة وبخطوة واثقة أن من في المصعد أقل منهم شأناً ويحاولون الدخول قبل خروجك... هؤلاء بالتحديد أخاف منهم، ولا أدري لماذا أشعر أن هذا ديدنهم في الحياة... أن يسدوا الطريق!
في طريق عودتي فضلت أن أنزل عبر السلالم، هي رحلة عكسية يتسارع فيها الزمن... تغني قليلاً، ثم تمر على شلة عمال يدخنون، وفي الدور الثامن تسمع أحدهم يتكلم في الهاتف... وفي الخامس تشاهد جرائد مكدسة فوق طفاية حريق! أمسك الجريدة وأقرأ «فرض رسوم على الهواء الذي يتنفسه الوافدون»، فأتساءل: هل هذا دور صاحبة الجلالة؟
في الدور الثالث شممت عطراً نسائياً، وغنيت أغنية توقفت في منتصفها احتراماً للأذان، وتذكرت محادثة أجريتها أخيراً عرفت كيف أبدأها ولكني أخفقت في نهايتها.
عندما وصلت إلى الدور الأرضي وفي آخر درجاته جلست. لا أريد للرحلة أن تنتهي ولا أريد أن أصل إلى وجهتي، أخرجت دفتري الصغير وبدأت أكتب هذا المقال... مر عليّ أحد العمال من شرق آسيا، فتوجس مني خيفة... فقررت أن أخرج معه، ولكننا وجدنا باب الطوارئ مكتوباً عليه «ادفع بقوة»!
هكذا انتهت الحكاية معي، حيث دخلت المصعد ككويتي أضاع الدور الذي يريده بسبب عقد فاسد مع شركة صيانة... وخرجت كوافد عليه أن يدفع بقوة لكي يمر!
كاتب كويتي
moh1alatwan@