إشراقة
قصة وفاء... لمعلم يستحق الثناء
| خالد مساعد الشراري |
1 يناير 1970
03:22 م
بما أنّ العالم يتحدث عن يوم المعلم، أجد أن لدي ما أقوله في هذا اليوم الذي هو عنوان وفاء للمعلم وقيمة لدوره في حياتنا... المعلم ذلك الذي اعتبره شمعة تضيء ليلنا المظلم ليتجلى أمامنا نور نسيرُ من خلاله بأمان، نسير مطمئنين ونجد راحتنا في الحياة، شمعة تحترق ليكون لنا التقدم للحياة بثقة، تجعلنا لا نأبه من عوائق تعترضنا، ولا عثرات، فلدينا سلاح منحنا إياه المعلم ليكون لنا وقاء واحتراس وحذر من كل ذلك.
وأبدأ بقصة أنا بطلها سأرويها لأن بها العبرة والعظةَ وأيضاً هي «قصة وفاء... لمعلم يستحق الثناء».
إنه معلمٌ من أرض الكويت الشامخه، وتلميذه هو أنا...
سأرويها بفخر عن هذا المعلم ولنعتبرها سرداً من خلال المقال لتكون شاهداً على دور المعلم وتأثيرُه على مسار العملية التعليمية ودوره المجتمعي، حينذاك كنت في الصف الثاني الابتدائي ويحيط بي البؤس الذي يجعلني لا ألتفت لمدرسة ولا منهج ولاتعلم، الأسرة بأكملها على الأسرة البيضاء وانا حينها في معاناة مدرسة ومعلمين لهم مطلب أن يجدوا مني تفاعلاً واستجابة مع ما يلقنونه لي، ولكن لا شيء مني يوحي إلى الاستجابة لهم سوى شرودٌ ذهني وطفل يشغله أمر!
ذاك يوبخني وذاك ينهرني أصبحت لدى جميع المعلمين أتصف بأني «الكسول» الذي لايُنتظرُ منه تقدم أو تعلُم، إنها أوقات اذكرها بلحظاتها وانا بها عاجز أن أصنع غير ما انا فيه، هم لايعلمون مايحيط بي... لايعلمون ظرفا أنا في زحامه.
في حصة العلوم وفي غرفة المختبر كان الدرس قد بدأ به المعلم «محمد العريفان» إنه اسم التصق بذاكرتي، فلن أنساه ما حييت، بدأ الدرس بطرح أسئلة عن موضوع الدرس السابق، جميع التلاميذ بحماس يرفعون أيديهم للإجابة وأنا لازمت الصمت فلا شيء لدي ولا كتاب أحمله.
بحنكته علم أن لدي مشكلة وتعمد أن تكون الإجابة مني، له حكمة أراد بها الوصول لغاية هو يريدها.
فقال اقرأ الدرس السابق، تلعثمت فأجبت: لا كتاب أحمله!، لم يوبخني بل ابتسم وهو يضع يدهُ على كتفي بتلطّف وقرّب لي كتاباً وقال اقرأ، قرأت وتلعثمت وتعثرت بين الأحرف لا أكاد أن أجمع حرفا مع آخر فإذا هو يصرخ: «صفقوا لخالد»
صفق التلاميذ وهم باستغراب وذهول فأنا لم أفعلُ ما يستحق، طلب مني أن أكمل القراءة فتشجعت ولكن مازلت أتعثر فلا شيء حقيقة لدي، انتهت الحصةُ وهمس لي ذلك المعلم أن آتيه فطلب مني أن أضع مجموعة من الأوراق على مكتبه ففعلت وعدت وطلب مني أمرا آخر ففعلت، شعرت باطمئنان... شعرت بنوع من السعادة تخالجني، انتهى اليوم الدراسي وذهبت لمنزلي فخجلت أن أعود في الغد من دون أن أجد ما أفخر به أمامُه، جمعت كتبي المتناثرة التي دوما لا ألقي لها بالاً، فكان مني الاهتمام أن أسأل من حولي عما لا أعرفه، وجدتني أهتم بتفاصيل الدرس كي اظهر أمامُه من دون عثرات ولا تلعثمات، بدأ التغير لدي لأكون بعد فترة ذلك الطالب المميّزُ الذي ينادى باسمه في الطابور المدرسي مع المتفوقين.
ما سبب تلك النتيجة؟... حتما هو دورُ المعلمُ المخلص الذي يسعى أن يكون له دور فعلي في مسيرة الطالب.
وها انذا أروي قصته لأنه في ذاكرتي رغم أنه مرّ بحياتي معلمون كُثر ولكنه تفرّد بامتلاك مكانه في ذاكرتي... تفرّد بدوره الإيجابي الذي غيّر مسيرتي التعليمية الشيء الكثير!
من ذلك ندرك ماذا فعل هذا المعلم وكيف كان احتضانه لطالب لم يجد إلا من يعاقبه وينهره، بحنكته استطاع أن يبذر بقلب هذا الطالب الاطمئنان كخطوة لعلاجه فتحقق ذلك.
فهنا يتمثل لنا دور المعلم المخلص الذي يعتبر التلاميذ أبناءه، نجده لايعتبر عمله كمعلم كوظيفة رسمية يؤديها من دون أن يكون لديه الحس الوجداني مع الطالب، نجده يحنو ويكون بمثابة الأب لكل طالب، نجده يعمل ليبذر بفكرهم العلم ويسيّرهم لطريق النور والاستزادة من العلم، يكون اهتمامه أن يستفيد الطالب ويتقبل منه كما لو أنه الأب الذي يمنحه الحنان.
المعلم له مكانة لايستهان بها، فهي مكانة مساوية لأي موظف بل هو قلب ينبض بالحياة، يضيء العقول وينير الفكر ويزرع الثقة بالناشئة.
وتحدث عن المعلم الشعراء ليقول أحمد شوقي: «قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا/ كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا».
وقال احدهم: لولا المعلم ما قرأت كتاباً يوما ولا كتب الحروف يراعي... فبفضله جزت الفضاء محلقا وبعلمه شق الظلام شعاعي وقال أحمد أمين:المعلم ناسك انقطع لخدمة العلم كما انقطع الناسك لخدمة الدين.
وقال جبران خليل جبران: أيها المعلم، سنكون خيوطًا فى يديك وعلى نولك فلتنسجنا ثوباً إن أردت، فسنكون قطعة في ثوب العلى المتعالي.
وعلي الطنطاوي له قول في المعلم: «لا يا ولدي، لا تحرص على هذه المهنة. اتركها إن استطعت فهي محنة لا مهنة. هي ممات بطيء لا حياة. إن المعلم هو الشهيد المجهول الذي يعيش ويموت ولا يدري به أحد، ولا يذكره الناس إلا ليضحكوا على نوادره وحماقاته».
ووصفه بيل غيتس فقال: «التكنولوجيا هي مجرد أداة في ما يخص تحفيز الأطفال وجعلهم يعملون معا فإن المعلم هو الأهم».
من كل ذلك نعلم كم للمعلم من قيمة يجب ان تعلم، فيمنح الهيبة التي تجعلنا نقدره ونعلم مكانته، ويكون منا المقال في حضرته لسمو مقامه، وانا هنا بمقالي أقف تقديرا للمعلم، أقف لشموخه وسموه، فله منا التحايا وله منا التقدير.