خيرالله خيرالله / تجربة تونس... في سن الـ21
1 يناير 1970
03:52 م
بلغت التجربة الإصلاحية في تونس سن الرشد. صار عمرها واحداً وعشرين عاماً. في الذكرى الواحدة والعشرين للتحول، أي في ذكرى وصول الرئيس زين العابدين إلى السلطة يوم السابع من نوفمبر من العام 1987، يتأكد زائر تونس هذه الأيام من أمر واحد. يتمثل ذلك في أن تونس، وبلغة الأرقام، وليس التمنيات والشعارات الفارغة، في الطريق نحو تكريس التنمية المستمرة من جهة، والاستقرار والأمن من جهة أخرى، من دون التخلي عن التجربة الديموقراطية القائمة على الانتخابات، والتعددية الحزبية، وإشراك الشباب في السلطة. هل تنجح تونس في الذهاب إلى النهاية في تجربتها عبر ولاية جديدة للرئيس تبدأ بعد الانتخابات المتوقع أن تجري في أكتوبر 2009؟
الحديث عما تحقق في تونس، لا يعني في أي شكل تناسي المشاكل التي تواجه بلداً ذا موارد طبيعية محدودة، أو تجاهلها، بمقدار ما يعني كيفية الاستمرار في تطوير هذه الموارد، واستغلالها بالشكل الصحيح. يحصل ذلك من منطلق أن الإنسان هو الثروة الأولى في البلد، ولا نفع لكل الثروات من دون وجود الثروة الإنسانية التي باتت رأسمال تونس. هناك رقم يعطي فكرة عن كيفية استغلال ما لدى تونس من إمكانات إما على صعيد الثروة الإنسانية، أو على صعيد الجمال الطبيعي، وتنوع جغرافية البلد الواقع بين جارين يتمتعان بثروة طبيعية ضخمة هما الجزائر وليبيا. هذا الرقم يتعلق بالسياحة. في عشرين عاماً، تطورت مداخيل السياحة من نحو نصف مليار دولار في العام 1987 إلى نحو ثلاثة مليارات دولار في العام 2007. وما ينطبق على السياحة، ينطبق على قطاعات أخرى من بينها التربية، والنقل، والزراعة، والسكن، والخدمات الصحية، وتطوير تكنولوجيا المعلومات.
لم يكن ذلك ممكناً لولا وجود رؤية واضحة للمستقبل، وقدرة على مواجهة التحديات في منطقة اجتاحتها العواصف السياسية، والاقتصادية، والارهاب بكل أنواعه منذ العام 1987 وحتى يومنا هذا.
تكفي في هذا المجال العودة إلى ما كان عليه الوضع في تونس في الأيام الأخيرة من مؤسس الدولة الحديثة الرئيس الحبيب بورقيبة، رحمه الله، للتأكد من أن ما حصل يوم السابع من نوفمبر 1987 كان نقطة تحول حالت دون غرق تونس في حال من الفوضى، شبيهة بتلك التي اجتاحت الجزائر، وكلفت البلد الغني بموارده الطبيعية، والفقير برجال الدولة والسياسيين من ذوي الرؤية والمواقف الشجاعة، مئات آلاف القتلى والجرحى وأعوام من الحرب الأهلية سقط فيها آلاف الشهداء من المدنيين، ومن رجال الأمن على يد العصابات الإرهابية التي تلطت بالدين الإسلامي الذي هو براء منها. كان ممكنا أن تتعرض تونس للمشهد نفسه، وللتجربة ذاتها لولا القرار الشجاع بإزاحة الرئيس بورقيبة الذي تقدم به العمر. حصل ذلك استناداً إلى القانون وليس إلى شيء آخر. كان الدستور هو الفيصل. لم يزح زين العابدين بن علي عنه منذ اليوم الأول لوصوله إلى الموقع الأول.
منذ تلك اللحظة وسلاح القانون هو الذي يحكم في تونس. إنه السلاح الذي استخدم لمواجهة الأحزاب الدينية المتطرفة التي كانت على استعداد لتكرار التجربة الجزائرية على الأرض التونسية، وهو السلاح الذي مكن تونس من تجاوز مرحلة الخطر، والعمل في الوقت ذاته على تطوير دولة المؤسسات التي أسس لها بورقيبة بشجاعة لا مثيل لها، خصوصاً عندما تعلق الأمر بإقرار حقوق المرأة بعيداً عن الغوغائية، والمتاجرة بالدين كما فعل كثيرون غيره في عالمنا العربي. وكان أن امتلك زين العابدين بن علي ما يكفي من الجرأة لأن يبني على ما كان قائماً، وطور التجربة التونسية في اتجاه حضاري، ووضع البلد على تماس مع التطور والتقدم، ومنع سقوط تونس في المجهول وحتى في الفراغ. كان هناك في استمرار عمل دؤوب في اتجاه التطلع إلى المستقبل ومواجهة تحدياته. تكمن أهمية التجربة التونسية في الأعوام الـ21 الماضية في القدرة على الاستمرارية من دون كلل أو ملل استنادا إلى خط واضح يبني على ما تحقق منذ الاستقلال.
من هذا المنطلق، تبدو الحاجة أكثر من أي وقت إلى متابعة العمل في سلسلة من المشاريع تساعد في جعل التنمية تشمل كل الأراضي التونسية. إنها التنمية المبنية على الاستقرار، والأمن الحقيقي، ومؤسسات الدولة، والقانون الذي يسمح بمواجهة التطرف والإرهاب والقضاء عليهما، وسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذا منها كما حصل في الأعوام الأخيرة من عهد بورقيبة حين غابت الدولة، ومؤسساتها، بسبب تقدم الرئيس بالعمر وفقدانه حتى القدرة على تبيان ما يدور حوله. وقتذاك، تظاهرت الأحزاب الدينية بأنها تلعب لعبة الديموقراطية، فيما كانت تعمل في الواقع عن طريق تصرفات معينة على ضرب مؤسسات الدولة بهدف تدميرها وضرب المرافق الاقتصادية على رأسها السياحة لزيادة عدد العاطلين عن العمل. في الوقت ذاته كانت الأحزاب اليسارية المراهقة أو القومجية، التي عادت لتطل برأسها هذه الأيام مستفيدة من الديموقراطية، تلعب الدور نفسه الذي يمارسه المتطرفون. أنه دور تحطيم مؤسسات الدولة والقطاعات المنتجة بشكل مباشر في معظم الأحيان.
لا تنسى تونس في أي لحظة أن النجاح في التنمية يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً. هناك تجربة سياسية في البلد ينقصها إلى حد ما نوع من الاستيعاب للواقع القائم لدى الأحزاب المعارضة التي يعوز بعضها الجرأة، فيما يعوز بعضها الآخر النضج السياسي. تبدو هذه الأحزاب في سن المراهقة وتذكر إلى حد كبير بيساريي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
لغة الأرقام تعني في المستقبل المنظور، أي بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة المتوقعة بعد أقل من عام سلسلة من المشاريع الضخمة توفر للبلد بنية تحتية متكاملة، وفرص عمل لخريجي المدارس والجامعات. في النهاية، أن البطالة يمكن أن تعتبر المشكلة الكبرى لتونس في حال لم تعالج بالشكل المناسب. بين هذه المشاريع ما يسمى «باب المتوسط»، أي البحيرة الجنوبية الذي يستهدف إنجاز مدينة متكاملة تجعل من تونس العاصمة الأولى للأعمال والمشاريع في شمال أفريقيا. كلفة المشروع نحو 25 مليار دولار ويشمل إقامة خمسة مراس لليخوت. هناك أيضاً مشروع آخر يستهدف إقامة مدينة رياضية بكلفة سبعة مليارات دولار، وإقامة مطار جديد يستوعب في مرحلة أولى خمسة ملايين سائح، وفي مرحلة نهائية 20 مليون سائح. لا حديث في تونس سوى عن مشاريع للمستقبل... عن ارتباط أكبر بين مستوى المعيشة فيها بالمستوى السائد في أوروبا. الطموح كبير وليس بعيداً من الواقع. المهم أن يستمر الجهد المبذول في اتجاه تطوير التجربة على كل الصعد، ديموقراطياً وتنموياً بأوسع مشاركة ممكنة من كل الأجيال، على رأسها الجيل الشاب الذي بدأ يتحمل مسؤولياته معتمداً على وجود من يؤمن بأن البرامج التعليمية المتطورة جزء لا يتجزأ من صناعة الثروة البشرية وتطويرها.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن