خواطر تقرع الأجراس
أحرار وعبيد
| مصطفى سليمان* |
1 يناير 1970
02:04 ص
من هو الحر، والعبد؟ هل الحر هو المتحرر من الرق والعبودية؟ وهل العبد هو الراسف في أغلال الاستعباد؟
في كل الحضارات هناك أحرار وعبيد... وثورات للعبيد. عند الفراعنة كانت أقدم ثورة للفلاحين المستعبَدين، ضد الإقطاع. ومن يقرأ كتاب «أول ثورة على الاقطاع» لمحمد العزب موسى يُدهَش من جرأة هذه الثورة على الفرعون - الإله!
وهناك ثورة العبيد بزعامة سبارتاكوس زمن الإمبراطورية الرومانية، وثورة الزنج في البصرة في العصر العباسي.
العبيد أحرار، بإرادة التحرر من العبودية، ولو قبل ثورتهم! والأحرار، كما سنرى تعريفهم عند أرسطو، عبيد لإرادة الاستعباد في نفوسهم. العبودية ليست طبعاً من الطبائع البشرية بل تُكتَسَب من طبيعة الأوضاع الاجتماعية وتقاليدها الموروثة، والشروط الاقتصادية، والنظم الأخلاقية السائدة.
وجاء الإسلام ثورةً بتشريعاته التحررية الإنسانية الشاملة؛ لذلك تداعى العبيد والفقراء والمضطَهدون إلى اعتناقه. وكان «فك رقبة»، «عقبة» صعبة على السادة الأحرار الذين تملّكتهم شهوة الاستعباد. وإذا كان الاستعباد ليس طبعاً بشرياً فإن الحرية طبع بشري طُبِع عليه البشر منذ الولادة. هذا ما قرره الخليفة العظيم عمر، حين قال: «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» ؟
والغريب بل المستَنكَر أن يكون هناك فلاسفة عظماء في تاريخ الفكر البشري يدافعون عن الرق والعبودية؛ ومنهم أرسطو «المعلم الأول»، (وُلد 384 ق. م) الذي كانت له سطوة فلسفية استبدّت بالعقول، خاصة في العصور الوسطى، حتى صار التمرد على مقولاته هرطقة تستوجب اللعنة والحرمان من صكوك الغفران. فقد صار (مسيحَ الكنيسة الفلسفي)، رغم ما بينهما من تناقض صارخ في التعاليم الإنسانية.
لأرسطو أفكار عنصرية ظالمة، وطبقية جائرة من العبيد، والمرأة، والأطفال المشوهين.
وفي كتابه «السياسة» أو «السياسيات (طبعة اليونسكو- بيروت)»: تحدث أرسطو عن الأرقّاء والأحرار بما يجعلك لا تطمئن إلى تصنيفه معلماً أولَ! قال: «الطبيعة تريد التباين بين أجسام الأرقاء وأجساد الأحرار. ومن الواضح أن الجميع يعترفون بأن مَن حازوا في جسمهم من الجمال مقدار ما حازت تماثيل الآلهة يحق لهم أن (يستعبدوا) من دونهم روعةً. لقد ظهر إذن بجلاء أن البعض أحرار بالطبع، والبعض أرقاء بالطبع!».
وهكذا يمنح المعلم الأول مَن حازوا في جسمهم جمال تماثيل الآلهة وكمالها حقَّ استعباد الأقل جمالاً وكمالاً! يا له من «معلم أول!».
ويرى أن الأعجمي خارج بلاد الإغريق لا اعتبار له عندهم، ولو كان ذا حسب ونسب في بلاده ! قال: «ونفس القول ينطبق على أهل الحسب، إذ يحسبونهم نبلاء، لا في أوطانهم فحسب، ولكن أينما حلوا. بعكس الأعاجم الذين لا اعتبار لهم إلاّ في بلادهم فكأن البعض أحرار نبلاء بلا قيد، والبعض الآخر أحرار نبلاء في ظروف معينة».
وما أعظم يوربيديس قبله بقرن (وُلد 485 ق. م) الديموقراطي الذي كان يؤمن بمساواة الغني والفقير، وكره الرق مدافعاً عن العبيد؛ لأن «الرق يفسد الأخلاق ويجعل العبد جباناً، وخائناً». وكلمة (خائناً) هنا لا تعني سوى التمرد والثورة وخيانة (سيده الحر) طلباً للحرية.
أكرر قولي: العبيد أحرار، بإرادة التحرر من العبودية. والأحرار، عبيد لإرادة الاستعباد في نفوسهم!
* شاعر وناقد سوري