خواطر صعلوك

الجنرال يعلن نهاية الصراع!

1 يناير 1970 02:44 م
كما تعلم عزيزي القارئ فأنا أعاني من حوَل في الكتابة، فأكتب عن الوطن في اليوم العالمي لنظافة اليدين، وأكتب عن المخيمات في ذكرى الغزو، وأكتب عن صندوق النقد في ليلة القبض على راتبي الشهري.

وقد نبهني صديق ضخم الجثة لدرجة أنني كلما جلست معه أضطر أن أتجول بعينيّ في جسمه لعلي أحيط به علماً، قد نبهني إلى أن هذا الحوَل في الكتابة قد يسبب سوء الفهم، ما يجعلني ككاتب شاب بدلاً من دخول بوابة التاريخ الصحافي ينتهي بي المطاف عند بوابة السجن المركزي، ولكني أوضحت له أنه حوَل بسيط ولا يستدعي هذا الخوف.

ثم فجأة وبلا مقدمات قرر صديقي أن ينتقل لموضوع آخر أكثر خطورة، وهو كيف يمكننا هزيمة إسرائيل عبر خطة محكمة؟ قال هذا السؤال بنبرة مفزوعة وبصوت هامس أقرب لصوت شجرة تشعر بالعطش فتصرخ في الناس لكي يصلوا الاستسقاء، ولكن لا أحد يسمعها.

ولكن الحركة المفاجئة التي قام بها الرجل الأصلع ذو النظارات العريضة الجالس بجانبنا في المقهى أوحت لنا أنه سمع السؤال، ما جعله يسترعي السمع وكأنه سؤال وجودي بالنسبة له.

ومن دون أن ينتظر صديقي رأيي في إمكانية مواصلة نقاش مثل هذا في زمن مثل هذا في مكان مثل هذا، بدأ في وضع الخطة ورسمها على الطاولة التي بيننا بفحم الشيشة وقام بتوزيع الأدوار بين الدول العربية، وقد أبدى حماساً منقطع النظير وهو يرسم الخطة ويوزع الجيوش مع وضع هوامش أسفل الطاولة تبين تحليل المخاطر التي قد تواجهنا!

نظر لي أمام رواد المقهى وأمسك يدي ثم استحلفني بالله أن أوافق على هذه الخطة، وأضاف بنبرة واثقة قائلاً:

- من العصر الحجري إلى القرن الذري لم يضع أحد خطة بهذا الإحكام. نظرت للخطة المرسومة ثم اعتذرت عن إعطاء الأوامر لتنفيذ خطة مثل هذه.

والصيغة الاعتذارية التي قدمتها جعلت الزبون الأصلع ذا النظارات العريضة يبدي اهتماماً أكبر لكي يسمع القادم ويعرف من نحن بالتحديد!

شرحت لصديقي أن قواتنا مشغولة على الجبهات، وبأنني لا أستطيع أن أفتح جبهة جديدة فيكفي ما هو مفتوح بين الدول العربية نفسها، ثم إن الخريطة العربية الآن تنقسم بسرعة أكبر من انقسام الخلية، فنحن نشكل 5 في المئة من سكان العالم كعرب، و45 في المئة من اللاجئين في العالم كضحايا نزاعات فيما بيننا!

بدا الرجل الأصلع في حالة من السكون والصمت، وكأن ما قلته مهم بالنسبة له، ما جعلني أكمل بصوت أقرب للهمس قائلاً: ثم إن هناك يمنيين يموتون بالكوليرا، فكيف لخطتك التي تحاكي الفرن الذري أن يقاتل فيها جنود يعانون من أمراض العصر الحجري!

إن وجه الشبه بين الوحدة الدراسية التي ندرسها في المدارس وبين الوحدة العربية التي نرسمها في الخرائط أن كليهما حبر على ورق، لذلك اسمح لي يا صديقي فأنا لا أستطيع أن أحرك جندياً واحداً من مكانه لكي ينفذ لك هذه الخطة.

ثم وقفت على قدميّ ووضعت خمسة دنانير ثمن قهوتي وثمن الطاولة البلاستيكية التي أفسدها صديقي بالفحم لكي يرسم خطة غير قابلة للمسح أو التطبيق، خصوصا وأنه شخصياً قد كتب في جزء تحليل المخاطر، أنه في حال استمرار ستائر الدم التي تنسدل أمامنا على شاشات التلفاز، وفي ظل تسابق التطبيع مع بنيامين سيصبح من الصعب علينا أن نصلي العصر في مسجد المنطقة فضلاً عن أن نصليه في المسجد الأقصى.

تهيأت للانصراف وبحركة خاطفة التفت للرجل الأصلع الذي بجانبنا فوجدته ينظر لي مع تعابير وجه مبتسمة واغرورقت عيناه من الفخر والاعتزاز بأنه كان يجلس خلف جنرال مقهى يناقش مع صديقه المليء بالشحم كيف يمكنهم القضاء على إسرائيل في ذكرى وفاة جمال عبدالناصر رحمه الله...هذا ما شعرت به خلال الحركة الخاطفة!

عدت إلى البيت (الثكنة العسكرية)، وأنا أتساءل عن الذي جعل عيني الرجل الأصلع تغرقان بالدموع؟ هل يعقل أنني كنت مؤثراً لهذه الدرجة؟

ولكن لم تكن هذه هي الحقيقة، ففي اليوم التالي، وحسب التقرير الطبي الشفوي الذي قدمه لي القهوجي برتبة ملازم، فإن الزبون الأصلع ذا النظارات العريضة الذي كان يجلس بجانبنا بالأمس يعاني من فقدان السمع وأن الانفعالات التعبيرية ودموع العين التي تظهر على وجهه أثناء حديث أي أحد بجانبه ما هي إلا حمد وشكر لله على أنه فقد السمع منذ مدة طويلة.

وقفت في وسط المكان ورقيت القهوجي إلى رتبة ملازم أول، ثم ألقيت بياناً في المقهى يعبر عن مشاعر جنرال يائس من كتائبه التي لم تتفرغ للجبهات التي يشير إليها ولكنها تفرغت للجبهات المشار عليها!

ثم أعلنت نهاية الصراع العربي الإسرائيلي... وانصرفت.

كاتب كويتي

moh1alatwan @