دراسة - الحلقة الأولى

لا طريق آخر: هذا هو النموذج الكويتي للإصلاح الاقتصادي

1 يناير 1970 02:43 م
نحتاج لإقناع الكويت برمتها أن الجميع سيتحمل حصته من العبء التقشفي

إصلاح سوق العمل أولوية قصوى ستنجح في تخليصنا من الجزء الأكبر من العجز

علينا الاعتراف أن الحاجة منعدمة لأي توظيف جديد في القطاع العام
مرة أخرى، وجود الكويت مهدد ليس بسبب غزو خارجي هذه المرة، لكن بسبب هيكلية الدولة والمجتمع الريعيين، نحن مقبلون على كارثة اقتصادية، نحن الأقل استعداداً لها، العجز المالي الذي يحاصر ميزانية الدولة لن يأخذ إلا في الارتفاع، أما ما جمعته الكويت من احتياطيات مالية ضخمة فستراها تتبخر في غضون سنوات قليلة.

أحلام اليقظة لن تجديك نفعاً فسأفصل لك كيف أن أسعار النفط لن تتخطى حاجز 60 دولاراً في السنوات العشر المقبلة، أما الإجراءات الحكومية التقشفية إلى الآن، فلن تستحق إلا أن أشبهها بلهو أطفال.

إلى أين ستتجه الكويت؟ وماذا سيفعل الكويتيون؟

ما يزيد الطين بلة هو أن الكويتيين مختلفون جذرياً حول طريقة معالجة هذا العجز، أو حتى الايمان بوجوده (لن ألومهم كثيراً في ظل الهندسة المالية التي تقوم بها وزارة المالية عند تقديم حساباتها الختامية). من جهة الحكومة قدمت إجراءات تقشفية هي محقة بأنها ستخفف من الضغط قليلاً على ميزانية الدولة، لكن الكويتيين لايزالون يشككون في وجود هذا العجز أصلاً، لكنهم اتفقوا جميعاً على أن هذه الإجراءات جباية لا تنتقص إلا من حقوق الطبقتين الوسطى والوسطى - الدنيا، لماذا استثناء الطبقة التجارية من أي تقشف؟ ثم إنهم لايزالون يرون الهدر مستمراً في أروقة وزارات الدولة وبسذاجة أحسدهم عليها، يذهبون إلى أن الوفر الناتج من وقف الهدر كفيل لوحده بسداد هذا العجز المالي، لكن حتى هذه المحاولة التقشفية لم تنجح الحكومة إلا في تمرير صيغتها المخففة مما يجعلني أرتاب في قيمتها الفعلية، فرغم كل رأس المال السياسي الذي صرف في تمريرها فإن زيادة أسعار البنزين لا توفر أكثر من 120 مليون دينار سنوياً (تغطي فقط 1.5 في المئة من عجز 2017 - 2018 الذي سيبلغ 7.9 مليار دينار)، والوفر الناتج من رفع تكلفة الكهرباء يدور في فلك هذه الأرقام الهزيلة أيضاً، ثم مصروفات الوزارات سترتفع فعلياً 5 في المئة خلال 2017 - 2018 عن السنة السابقة، ويزداد الوضع قتامة مع التغييرات السياسية الأخيرة وتركيبة مجلس الأمة الحالي التي تجعلني أعجز عن أن أرى الحكومة تمرر أي إجراءات تقشفية من النوع الذي تشتهي في السنوات المقبلة.

في هذا النموذج الإصلاحي سأقدم خياراً جديداً ستتفق معي أنه الطريق الوحيد أمام الكويت، سمّه فرصتنا الأخيرة، يجب أن تتفق معي على بعض المسلمات: أولاً كيف ستقنع شعباً كاملاً بتحمل كلفة إصلاح عجز لا يثقون بوجوده؟ ثم هلا عاملت الكويتيين كراشدين لا أطفال في السادسة؟

على الحكومة أن تكون أكثر مصداقية عند نشر بيانات هذا العجز خصوصاً لناحية دمج أرباح الاستثمارات الخارجية في ميزانية الدولة، بعد ذلك سنتفق ككويتيين على أن العجز ما زال ورقياً إلى الآن، وأن اقتصادنا بخير لكننا سنقر جميعاً بحاجتنا السريعة إلى الإصلاح قبل أن يتحول هذا العجز الورقي الآخذ في التصاعد لعجز فعلي يأكل كل احتياطاتنا النقدية.

- ثانياً: سنحتاج لإقناع الكويت برمتها أن الجميع سيتحمل حصته من العبء التقشفي (تجار وباقي الطبقات/‏ كباراً وشباباً) من دون هذا لن تستطيع تمرير هذه الإصلاحات.

- ثالثاً: يجب علينا فهم أن الإجراءات التقشفية لن تكون كافية لوقف هذا العجز الآخذ في التصاعد فما نحتاجه هو إعادة بناء هيكلية جديدة للدولة - المجتمع.

- رابعاً علينا إدراك الفرصة الذهبية المتوافرة لدينا، فكويت 2017 هي في أفضل حال تستطيع منه أي دولة البدء في إصلاحها المالي والهيكلي، صحيح العجز الحقيقي قادم ومحتم/‏ لكن احتياطياتنا المالية الضخمة ستمكننا من تمويل الإصلاح الهيكلي الكامل الذي أطمح إليه إلى حين نجاحنا في معادلة ميزانية كويت جديدة بهيكلة جديدة للاقتصاد - المجتمع ستكون أقل اعتماداً على النفط. وفرتنا المالية ستعطينا خيارات متنوعة وواسعة لم تكن متوافرة لدى أي من الدول المفلسة التي حاولت الإصلاح تحت تهديدات صندوق النقد الدولي/‏ البنك الدولي واشتراطاتهم التقشفية.

- خامساً: تشخيص موطن علة الميزانية هو الخطوة الأولى لمعالجتها، وسأزعم أن هيكلية الدولة - المجتمع هي السبب الأول لهذا العجز. ثلاثة عوامل امتزجت مع بعض لتزيد من نزيف ميزانة الدولة: فتوة المجتمع الكويتي، إذ إن الغالبية الشابة بدأت أو ستبدأ قريباً في البحث عن وظيفة، جاذبية الوظيفة الحكومية كخيار أول للجميع، واعتماد القطاع الخاص على عمالة أجنبية رخيصة طردت العمالة الوطنية من سوق العمل في القطاع الخاص. إذا ربطنا العوامل الثلاثة معاً سيكون من السهل علينا تشخيص خلل الميزانية المرتبط جله في ميزانية الباب الأول الخاصة بالرواتب والمرشحة لأن تتضاعف في السنوات القليلة المقبلة مع دخول أكثر من 100 ألف شاب إلى سوق العمل في السنوات الخمس المقبلة.

إذاً، سلة الإصلاح المتكاملة عليها أن تبدأ من هنا، إصلاح سوق العمل أولوية قصوى ستنجح في تخليصنا من الجزء الأكبر من عجزنا المالي، لهذا سأخصص لها الجزء الأول من هذه الدراسة، لكن هذا الإصلاح يستدعي أولاً تطويراً شاملاً لنظامنا التعليمي ينجح في إعداد أفضل للشباب لسوق العمل، وهذا ما سيتناوله الجزء الثاني من هذه الدراسة لكن الإصلاح الشامل الذي نريد به تغيير هيكلية الدولة - المجتمع لا يجب عليه أن يتوقف هنا فيجب الشروع فوراً في بناء اقتصاد تنافسي ليبرالي يحل محل الحالة الأولجاركية الكويتية الحادة، وهذا ما سأحاول تفصيله في الجزء الثالث لأنتقل بعدها مباشرة لأعطي أولوية لإصلاح رقابي - قانوني أرسخ به قيم العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، وذلك في الجزء الرابع. أما الجزء الخامس فسيكون محوره محاولة جادة لإصلاح بيروقراطية الدولة، فأنا أحملها لا الساسة وحدهم مسؤولية أغلب اختلالات عمل الدولة. في الجزء السادس سأتطرق لإصلاح ضرائبي أدعي أن ساعته حانت إذ أردنا الحديث بجدية عن معالجة العجز المالي فقط لأنتهي في الجزء السابع إلى معالجة شاملة لسياسات الإنفاق الحكومي بما فيه سلم رواتب القطاع العام.

أولاً - إصلاح سوق العمل:

علينا أن نتفق جميعاً أن المعضلة الأساسية التي ستواجهها الكويت في السنوات المقبلة هي قنبلتها الديمغرافية، الدراسات الحكومية ذاتها تتنبأ بدخول أكثر من 84 ألف شاب لسوق العمل في الأعوام الخمسة المقبلة ليصل إجمالي القادمين إلى هذا السوق في فترة 2017 - 2027 إلى 200 ألف شاب.

2 تداعيات هذه القنبلة الديمغرافية ستصل إلى الاستقرار السياسي حين نعجز عن توفير فرص عمل ملائمة لهؤلاء الشباب، ثم لنا أن نقلق إذ نستذكر الفشل المنقطع النظير لجهاز إعادة الهيكلة في رفع عدد العمالة الوطنية في القطاع الخاص (في 2011 - 2017 دخل أكثر من 100 ألف كويتي لسوق العمل لكن رغم هذا فإن عدد العمالة الوطنية في القطاع الخاص ليس فقط لم يرتفع لكنه تقلص بقرابة الثلث).

3 علينا اعتبار الآتي: العقد الاجتماعي يفرض التوظيف الحكومي كوسيلة لتوزيع الثروة النفطية، علينا الاعتراف أن الحاجة منعدمة لأي توظيف جديد في القطاع العام (ما عدا ثلة من التخصصات الفنية الدقيقة)، تأثير تتضخم البطالة المقنعة في البيروقراطية الحكومية على الباب الأول من الميزانية يستدعي تحركاً سريعاً إذا أردنا تجنب إفلاس الدولة. ستكون المعضلة هي موازنة العقد الاجتماعي القديم مع الخطر المحدق القادم من الباب الأول للميزانية، لحل المعضلة سأقترح الاستعاضة عن التوظيف الحكومي في القطاع العام بضمانة تشريعية لوظيفة مناسبة لكل كويتي في القطاع الخاص، ضمانة تشريعية مشابهة في السويد منذ 1966 نجحت في تحقيق نسب بطالة هي من الأقل عالمياً.

4 توجيه الشباب (أو إرغامهم إذا شئت) على التوجه للقطاع الخاص يستدعي أولاً إعادة للنظر في هيكلية القطاع الخاص التي خلقت منذ الاستقلال سوق عمل مشوهة طاردة للعمالة الوطنية، إذ تغلب عليها العمالة المستوردة الرخيصة (Free Movement Of Labour) أي حرية استيراد عمالة من الخارج جعلت تنافسية العنصر الوطني لهذه العمالة ضرباً من الخيال. حرية استيراد عمالة رخيصة تحت ظلال دخول 200 ألف شاب كويتي إلى سوق العمل في 2017 - 2027 يجب أن تتوقف.

5 علينا التعريج على الدور الاجتماعي للقطاع الخاص عالمياً، وهو لا يتعدى توفير فرص عمل وعائدات ضريبية للدولة منذ 1961 إلى 2017 والقطاع الخاص الكويتي معفي من هذا كله، لكن الآن في هذا المفصل التاريخي للدولة على القطاع الخاص الإضطلاع بمسؤولياته قليلاً.

إذاً، الخطوة الأولى في علاج عجز الميزانية ستمر عبر إصلاح سوق العمل المشوه، وقف التوظيف الحكومي وإلزام الشباب بالتوجه للقطاع الخاص مصاحباً لإلزام مماثل لأصحاب العمل على توظيف نسب أكبر من العمالة الوطنية مع تشدد ضروري في منح تصاريح عمل جديدة للعمالة وافدة هو أقل ما يستوجب فعله.

لنتذكر ونحن نوقف المزيد من العمالة الأجنبية إلى الكويت أن في النصف الأول من 2016 أعداد الوافدين زادت إلى أكثر من خمس أضعاف زيادة الكويتيين في الفترة ذاتها.

6 تصحيح خلل التركيبة السكانية الذي أريد، لا يستدعي تهجيراً جماعياً لكني أرى أن تقنين تصاريح العمل الجديدة فقط سيكون له الأثر الذي أريد على سوق العمل.

إلزام الشركات الكبرى (تحدد بحجم إيراداتها السنوية أو عدد العمالة المسجلة) بكوتا تصاعدية للعمالة للوطنية يأتي أولاً إذ أثبتت الغرامة النقدية المفروضة على عدم الالتزام بنسب العمالة الوطنية فشلها، فالوقت مناسب لاستبدالها بإلزامية قانونية بنسبب محددة، نستطيع البدء في وظائف الياقات البيضاء (مدراء/‏ مهندسون/‏محاسبون)، الكثير من هذه الوظائف في القطاع ستحتاج لمن يشغلها بعد تشددك في منح تصاريح العمل، ثم مع الدعومات الحكومية للعمالة الوطنية في القطاع الخاص ستزداد جاذبية هذه الوظائف عن مثيلاتها في القطاع الحكومي خصوصاً أن تشددك في منح تصاريح عمل جديدة سيرفع رواتب هذه الوظائف قليلاً، ويزيدها جاذبية عن القطاع الحكومي (عرض مبسط لميكانيكية العرض والطلب).

7 إن غياب منافسة العمالة الوافدة سيجعل من السهولة بمكان رؤية أفضل هؤلاء الشباب يصعدون السلم الوظيفي إلى مناصب الادارة العليا المغرية بعد 10 أعوام، كما يجب علينا تذكر أن هذه الوظائف لا تستدعي خبرات أو مهارات خاصة أو شهادات معينة تجعلنا نعتمد على الأجنبي، نحن لا نتحدث عن برمجة في «وادي السليكون» أو هندسة فضاء، فجميعها وظائف في المستوى الابتدائي في مجالات ستتيح مستقبلاً ارتقاء وظيفياً.

كما أنه لا داعي للقلق على الاقتصاد، فضآلة الأعداد التي تريد توظيفيها في القطاع الخاص سنوياً مقارنة بحجم الاقتصاد الكويتي سمتنع أي انكماش نخشاه، فأرى التطبيق على المدى القريب محصوراً على الشركات الكبرى التي تستطيع استيعاب فروقات ارتفاع الأجور المصاحب للإحلال بسهولة؛ ثم أصلا هذا الإحلال سيأخذ أكثر من وقته. معدل الزيادة السنوية للعمالة الوافدة في القطاع الخاص خلال 2010 - 2015 لم يقل عن 64 ألف عامل جديد في السنة، لكن الكويت لا تحتاج لتكويت أكثر من 15 ألف وظيفة في القطاع الخاص في 2017.

9 إذاً، عندما نتحدث عن التشدّد في منح تصاريح عمل، فنحن لا نتحدث عن أكثر من تقنينها بما يعادل ربع الممنوح حالياً (لو كنا أذكياء لحرصنا أن يكون التقنيين في وظائف الياقات البيضاء الأكثر جاذبية).

لكننا نحتاج أن نكون صادقين مع أنفسنا، فأي سياسة تكويتية لسوق العمل لا تنجح إلا عندما تصبح كلفة العمالة الأجنبية على القطاع الخاص أعلى من مثيلتها الوطنية، سأقترح شكلاً جديداً لضريبة رواتب (Payroll Tax) على شكل رسوم شهرية على عمالة كل شركة خاصة يتحملها صاحب العمل، ثم استثني منها العمالة الوطنية موقتاً.

10 البحرين طبقت ضريبة مماثلة والسعودية بصدد تطبيقها أيضاً، لكن على الرسوم في الكويت يجب أن تكون نسبة من راتب الموظف الوافد، فجعلها رسوماً ثابتة لن يخفض تنافسية العمالة الوافدة في وظائف الياقات البيضاء الأعلى راتباً. سنحقق للدولة 3 أهداف استراتيجية تتنافس في الأهمية: عائدات ضريبية جديدة، التخلص من العمالة الهامشية، رفع تنافسية العمالة الوطنية.

شرعي هو تذمر القطاع الخاص من انخفاض إنتاجية العمالة الكويتية وضعف مهارتها لكني سأحمل أرباب العمل جزءاً من المسؤولية واللوم، أين هو استثمارهم في الموارد البشرية الوطنية خلال السنوات العشرين الماضية؟ هم تعودوا على نموذج غريب لا نراه إلا في دول الخليج: عمالة رخيصة مدربة في ظل حرية حركة العمالة تحت نظام الكفالة. إذاً هيكلية سوق العمل ذاتها هي المسؤولة عن خلق هذه التشوهات في سوق العمل الكويتي، وإصلاح هذا السوق يستدعي التقنين الفوري لحرية حركة العمالة الأجنبية، البديل هو أن يدخل القطاع الخاص كشريك في استثمار الطاقات الشبابية، فسأقترح التوسع في طرح برامج تلمذة إدارية منتهية بوظائف

(Management Apprentice Programmers)، التدريب أثناء الوظيفة لن يعطي صاحب العمل حرية التركيز على المهارات التي يحتاجها فحسب، لكنه سيتيح له حرية اختيار المستوى التعليمي المناسب الذي يريد أن يبدأ معه، فقد يبدأ برامج تلمذة منتهية بوظيفة مدير مع خريج جامعي أو برنامج تلمذة منتهية بوظيفة خدمة عملاء مع حامل شهادة ثانوية مثلاً، وشراكة حكومية مع القطاع الخاص لتمويل جزء من هذه البرامج ستكون ضرورية لكن الأهم منها هو فرض هذه البرامج على الشركات ذات الحجم الكبير كضريبة اجتماعية (ربما كبديل عن ضريبة دعم العمالة الوطنية).

جاذبية تطبيق باقة إصلاحاتي هذه لا تحتاج بياناً، فالإحلال الوطني الذي اقترحه لم أمل من تكرار أهمية توجيه إلى وظائف الياقات البيضاء ذات المستقبل الوظيفي والراتب العالي، هذا تماماً نقيض سياسة الدولة الحالية التي تعمل وبلا جدوى على دفع المزيد والمزيد من الشباب الكويتي على التوجه لوظائف ذات مستقبل مسدود في القطاع الخاص، وجلها وظائف خدمة عملاء في قطاعات الاتصالات والبنوك، الشباب الكويتي أكثر ذكاء من أن ينخدعوا بهذه السياسة الحكومية، فصحيح للخريجين الجدد راتب القطاع الخاص دائماً أعلى قليلاً من مثيله في القطاع الحكومي لكن هذه الفروقات تتقلص بل تتلاشى كلياً عندما يأخذ موظف القطاع الحكومي في صعود سلم الكوادر السخية، بينما يكتشف زميله موظف القطاع الخاص صعوبة التطور الوظيفي في القطاع الخاص.

11 لا عجب أن يرفض الشباب الكويتي التوجه للقطاع الخاص. من بين كل 10 كويتيين تراهم في فرع بنك اليوم سترجع لترى مجدداً 9 منهم بعد 10 سنوات في ذات الوظيفة، وغالباً بذات الكآبة لكن ما نريده هو مزيد من وظائف الطبقة الوسطى التي توفر صعوداً اجتماعياً (Social mobility). معالجة هذه المعضلة تكون فقط من خلال ما أقترحه من فتح المزيد من الوظائف ذات المستقبل الوظيفي الواعد (نسب تصاعدية لكوتا عمالة وطنية حسب الوظيفة /‏ تقنين تصاريح العمل في وظائف الياقات البيضاء /‏ رسوم شهرية على العمالة الوافدة).

ترهيب الشباب كان عبر وقف التوظيف الحكومي لكن سنحتاج لترغيبهم أيضاً في القطاع الخاص، مقترحاتي بسيطة لكن جداً فعالة: ضمانة تشريعية لوظيفة في القطاع الخاص لكل كويتي (على غرار التجربة السويدية)، رفد الضمانة التشريعية ببدل بطالة يوازي 60 في المئة من آخر راتب قبل التسريح من الوظيفة لمدة 52 أسبوعاً بدلاً من 24 أسبوعاً حالياً.

12 تحويل جهاز إعادة الهيكلة إلى جهاز مركزي للتوظيف في القطاع الخاص على غرار ديوان الخدمة المدنية أو (Job Center) في بريطانيا. تحسين بيئة العمل في القطاع الخاص بمراعاة خصوصية وثقافة المجتمع الكويتي واجبة، الواقعية محمودة لنكف عن الأحلام لن نستيقظ صباحاً لنجد الكويتي فجأة حاملا «لثقافة عمل بروتستانتية» فساعات العمل الطويلة في القطاع الخاص تحتاج تقصيراً، السائد حالياً هو ما فوق 40 ساعة عمل أسبوعياً لكني أقترح جعلها بحدود 35 ساعة أسبوعياً.

13 حتى نظام الإجازات الطبية لا يوجد ما يمنع إصلاحه بما يحفظ حقوق صاحب العمل من جهة، ويوفر بيئة عمل مريحة للشباب الكويتي من الجهة الأخرى، لنطبق النموذج الدنماركي فيتحمل صاحب العمل كلفة أول 15 يوماً إجازة طبية مدفوعة في السنة، وما فوق ذلك تتكفل به الدولة. زيادة صلاحيات هيئة القوى العاملة كمحكم محايد في حالة النزاعات العمالية أمر بديهي لا يحتاج تبريراً.

14 تغيير عقود العمل في الخاص للعمالة الوطنية هي ضرورة قصوى؛ حالياً هي (Open ended employment contracts) مع فقرة (At will) تتيح تسريح العامل بلا سبب مع فترة إشعار 3 أشهر، لا يستحق الكويتي هذا، هذا سيحتاج تغييراً، تطبيق قوانين العمل الأوروبية (حتى النسخة الانكليزية المخففة منها، والأكثر محاباة لأرباب العمل ليست بالسيئة على الإطلاق) ضرورة نستطيع بها حماية العمالة الوطنية من التسريح غير المبرر، ثم زيادة صلاحيات هيئة القوى العاملة كمحكم محايد في الخلافات العمالية مفيد للغاية، عبء إثبات سبب التسريح دائماً أجعله مسؤولية صاحب العمل، لا مانع من إضافة طبقة حماية إضافية للعمالة للوطنية من

(Constructive Dismissal) لكن هذا لا يجعلنا نغفل عن حقوق صاحب العمل، فربما يجب حمايته من العمالة المهملة بتمديد فترة التجربة التي يجوز تسريح العامل خلالها إلى 6 أو حتى 9 أشهر (في انكلترا القانون يتيح لصاحب العمل حق فصل الموظف بلا سبب لمن تقل خدمته عن سنتين).

إما البنك المركزي، فعليه مسؤولية ضمان عدم التمييز ضد موظفي القطاع الخاص من ناحية توفر القروض البنكية لهم، كيف ستقنع الشباب بالتوجه للقطاع الخاص إذا كانوا يعجزون عن الحصول على قروض بنكية؟ (حالياً ما عدا موظفي الشركات المدرجة بالبورصة والبنوك، يجد موظفو القطاع الخاص وقتا صعبا في الحصول على قروض بنكية).

ثم عند دراسة سوق العمل يجب علينا ملاحظة أن الأجور في الكويت منخفضة، حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي (Labor Share) في القطاع الخاص في عينة من دول الخليج الريعية تتوقف عند مستوى منخفض بين 7 - 16 في المئة.

15 انخفاض أجور القطاع الخاص هو نتيجة مباشرة لسياسة حرية حركة العمالة الوافدة المفتوحة التي علينا واجب وطني في تقنينها، لكن انخفاض حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي ليس كله سيئاً، فهو يعني أيضاً أن لدينا هامشاً من الحركة يسمح لنا برفع رواتب العمالة الوطنية في القطاع الخاص، مما يرفع من جاذبيته، ثم هذه الزيادة في الراتب لن تأتي كعبء على الميزانية الحكومية، لكن ستأتي عبر القطاع الخاص ذاته بفعل آلية العرض والطلب في سوق العمل عندما يقل المعروض من عماله أجنبية.

رفع (Wage Share) أي حصة الناتج المحلي الإجمالي التي تذهب كرواتب للعمالة الوطنية في القطاع الخاص هو ضرورة وطنية، الآن باعتمادها على العمالة الوافدة الرخيصة تنجح البرجوازية الكويتية في تقليل نفقاتها الرأسمالية إلى مستويات مذهلة تمكنها من تحقيق أرباح خيالية، لكن تأثير ذلك على الدورة الاقتصادية ملموس فهذه الأرباح الخيالية مصيرها التكدس كودائع بنكية عكس لو ذهب جزء منها في صورة رواتب لمواطنين سيصرفون أغلبها في نفقاتهم اليومية، عالمياً المنشط الأول لاقتصاد أي دولة هو «Consumers Spending» ومن دونه استعد لدورات متتالية من الانكماشات الاقتصادية، إذ ليست العدالة الاجتماعية لوحدها ما ستدفعنا لمحاولة زيادة رواتب العمالة الوطنية في القطاع الخاص فحتى المنطق الاقتصادي السليم يقول هذا. إذاً سنحتاج لرفع حصة الناتج المحلي التي تذهب كرواتب للعمالة الوطنية، نحن سبق أن ذكرنا آلية هذا الرفع عبر آلية العرض والطلب لكن هناك آليات أخرى ستتفق معي على جاذبيتها، حان وقت وضع حد أدنى للأجور. أقترح ربطه بطبيعة العمل ونوع نشاط الشركة (حد أدنى لأجور المهندسين - حد أدنى لأجور المحاسبين - حد أدنى لأجور وظائف خدمة العملاء). لحظة لحظة قبل أن ترفع صوتك معارضاً تذكّر أنه حد أدنى للأجور، بلا أي أثر تضخيمي يذكر لكنه سيكون أرضية تتضخم منها رواتب المستحق من العمالة الوطنية المستحقة.

ثم عند الحديث عن (Wage Share) المنخفض في الكويت سأكون مضطراً للتذكير بدور

(Income Inequality) أو «عدم المساواة في توزيع الدخل» في تأجيج الشعبوية وإثارة القلاقل السياسية، سأحملها مسؤولية كل من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب ترامب وعموماً لست وحدي أشدد على دورها التأزيمي للاستقرار السياسي، فلا يختلف سياسي غربي عاقل الآن على هذا، ثم إن الفرضية الأساس لأهم كتاب اقتصادي في السنوات العشرين الماضية (Capital in the Twenty First Century) تشدّد على أن هذه اللا مساواة هي طبيعة لأزمة للنظام الرأسمالي لا تعالج إلا بالتدخل الحكومي الذي يدعو إليه ثم يذهب الكتاب ببساطة إلى أن الفشل في معالجة هذا التفاوت في الدخل لن يؤدي إلا إلى انهيار النظام القائم.

في الكويت أرى أن الطريق الوحيد أمامنا لمعالجة هذا التفاوت هو عبر التدخل الحكومي لرفع حصة الرواتب من الناتج المحلي الإجمالي خصوصاً لموظفي القطاع الخاص. مرة أخرى وسائلنا في تحقيق ذلك ستكون هي تقنين حرية حركة العمالة الوافدة وحد أدنى للأجور.

نموذج إصلاح سوق العمل لا يجب أن يتوقف عند أصحاب الياقات البيضاء. نحتاج إصلاحاً عاجلاً لسوق العمل في قطاع الخدمات ذي الأجر المتدني أو ما يدعي (Pink Collar Employment) سمة هذا القطاع الأبرز هي اعتماده على عماله وافدة رخيصة كثافتها هي السبب الرئيسي في اختلال التركيبة السكانية. إصلاح سوق العمل هذا يستدعي فتح باب العمل الجزئي (Part time) للشباب في الفئة العمرية (17 - 23 سنة) اسمع معي، هذا الإصلاح سيضرب عصفورين بحجر واحد: أولاً سنقلل اعتمادنا على العمالة الوافدة، ثانياً كساحة تدريب فإن العمل الجزئي سيعد الشباب لسوق العمل، ويزودهم بمهارات جديدة وأخلاقيات عمل مطلوبة في مرحلة ما بعد التخرج، أخشى أننا نخلق جيلا اتكاليا كسولا لا يعرف إلا الكماليات، ولا يجري إلا خلف المظاهر، ثم إن الإحساس بقيمة المال يكاد ينعدم تماماً. هنا أهمية فتح باب العمل الجزئي للشباب مع الغاء المكافأة الاجتماعية للطلبة المستنزف أغلبها في نفقات استهلاكية كمالية. الغاء هذه المكافأة العبثية لا يوفر لك بضعة ملايين هنا أو هناك، لكنه وحده سيوفر دافعاً للشباب على العمل أثناء الدراسة، سنحتاج كذلك للآتي: كوتا إلزامية لفرض نسب عمالة وطنية للعمل الجزئي، تغيير طبيعة العمل الجزئي لجعل ساعات العمل أكثر مرونة لظروف عمالة جزئية أغلبها في مرحلة الدراسة (عالمياً عمالة البارت تايم الجزئية هي الأكثر ملائمة للعمل في قطاع يمتاز بعدم انتظام ساعات عمله كـService Industry، تطبيق عقود (zero hour contract) حيث يستلم الموظف الجزئي راتبه وفقاً لساعات عمله في الشهر سيكون جذاباً للغاية لعمالة العمل الجزئي الوطنية، ثم إذا كان الإلغاء الكامل لهذه المكافأة الاجتماعية أكثر صعوبة سياسياً، فالبديل هو أولاً خفضها (لا تجعلها أكثر من 100 دينار) وثانياً ربطها بالعمل الجزئي لعدد محدد من الساعات الشهرية كدعم مالي يضاف لراتب القطاع الخاص.

إصلاحات أخرى أرى استعجالها ستشمل وقف التوظيف الوهمي في القطاع الخاص، الآن في 2017 من السهل التشدد في مراقبة عمل وحضور العمالة الوطنية في القطاع الخاص لو توافرت الإرادة السياسية.

16 النظر في الدعم الحكومي لأصحاب الرواتب العالية يأتي ثانياً فلا بدّ من التخفيض التدريجي في مقدار الدعم عند وصول راتب موظف إلى حد معين.

17 إن مقدار دعم العمالة الحكومي يتحدد حالياً باعتبار الشهادة الدراسية، وهذا قصر نظر فالواجب تحديده تبعاً لطبيعة الوظيفة، هذا سيمكننا من تحفيز وتوجيه الشباب على الانضمام لقطاعات أو وظائف غير مرغوبة عبر رفع هذا الدعم لوظائف معينة وخفضه على أخرى.

لكن عندما نتحدث عن الوقف الكامل للتوظيف في القطاع الحكومي، فإننا نستطيع القيام ببضعة استثناءات من دون تأثير يذكر على ميزانية الدولة ذلك لأن هذا القطاع متخم بعمالة وافدة ساعة إحلالها ستوفر فرص عمل حقيقية للشباب الكويتي. نظرة سريعة على تركيبة القطاع الحكومي الديمغرافية ستخبرك الكثير: أكثر من 83 ألف وافد في القطاع الحكومي يتركز أكثر من 64 الف منهم في وزارتي الصحة والتربية فقط، حيث يشغلون وظائف فنية أو يعملون كمدرسين.

18 لكن الإحلال لا يأتي بجرة قلم مسؤول متحمس أو متهور، فتحتاج قبله لسياسة تعليمية توظيفية صارمة تدفع الشباب إلى التوجه نحو هذه التخصصات الفنية التي نعلم جميعاً أنها غير مرغوبة، فإعداد كوادر وطنية قادرة على شعل هذه الوظائف يأتي قبل هذا الإحلال المنشود. سياسة إحلال رزينة ومدروسة ستساعدنا على استيعاب أكثر من 30 في المئة من إجمالي الخريجين الجدد في فترة 2017 - 2027 (64 ألف وظيفة يشغلها أجنبي لنحو 200 ألف كويتي مقبل على العمل في هذه الفترة) ثم هذه وظائف حقيقية تحتاجها الدولة لا مجرد وظائف للبطالة المقنعة، ما عدا هذه التخصصات الفنية المحددة سيكون علينا الالتزام بسياسة وقف التوظيف الحكومي بالكامل.

هذا نموذج إصلاح هيكلي للمجتمع - الدولة، فلن أحصره بإصلاحات اقتصادية محدودة، هذا سيدفعني للمضي في اقتراحي القادم وضع «غير محددي الجنسية» يحتاج مراجعة سريعة وشاملة، المراوحة السياسية منذ التسعينات تجعلني متيقناً أن لا تجنيس في الأفق، لكن بذات الوقت لا يمكننا الزعم بديمومة الوضع الحالي، أنا لا أقول هيا لتوزيع جناسي لكن لابدّ من البحث عن حلول وسط.

أولاً - كوضع إنساني هذا غير مقبول: إقامتهم الدائمة في الكويت هو أمر واقع من الأفضل الاعتراف به رسمياً فحتى أبريل 2017 فقط 8 آلاف عدّلوا أوضاعهم من أكثر من 120 ألفاً (لا داعي لنخدع أنفسنا فبظل الواقع الإقليمي الحالي، فإن أي تضييق معيشي إضافي عليهم لن ينجح في دفعهم للكشف عن جناسيهم الأصلية).

ثانياً - كقوة عمل ربما من الأفضل استخدامها بدلاً من عمالة وافدة إضافية خصوصاً انهم سينفقون أغلب ما يكسبونه في السوق المحلي لا عبر تحويلات خارجية ثم استخدامهم كعمالة ربما يوفّر بديلاً محلياً لقطاعات العمل غير المرغوبة لدى العمالة الوطنية، كما أن خطر بطالتهم المتزايدة تجعل فتح باب سوق العمل المحلي لهم أمرا يتطلبه السلم الاجتماعي، توظيفهم في القطاع الحكومي ليس خياراً، فبالتالي سأذهب لاقتراح كوتا خاصة لغير محددي الجنسية على شركات القطاع الخاص، هذا يستدعي استثماراً في التعليم على الحكومة أن تتحمل مراحله الأولية والتقنية كذلك، ثم أرى أنهم سيشكّلون مورداً بشرياً مهماً (بعد تأهيلهم) لشغل وظائف قد تكون أقل جاذبية للعمالة الوطنية، كما لعل أفضل ما تبدأ به من إصلاحات هو فكّ الارتباط بين التصنيفات الأمنية والإجراءات المعيشية.