رؤى

مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي ...إلى أين؟ (1)

1 يناير 1970 03:15 م
لا بد أن تجربة المراكز الثقافية - التي يتم طرحها وتطويرها أخيراً في دولة الكويت - هي تجربة يصعب تعريفها أو تحديد معالم واضحة لها. المراكز الثقافية في دول العالم أجمع، المتقدمة والأقل تقدماً، هي مراكز غير ربحية تقوم ببناء علاقة مختلفة مع المجتمع توازي - أو تكون بديلاً - عن العلاقة التعليمية والاجتماعية التي تقوم بها المؤسسات التقليدية القديمة الروتينية. تعمل على تحديث وتنشيط البنية الثقافية التحتية من خلال تقديم نشاطات تفاعلية ترتفع رويدا رويدا بذائقة المواطن وبعلاقته مع مجتمعه، مع نفسه، ومع العالم. هذا التعريف ينطبق على أصغر المراكز الثقافية في مدن كندية الى أضخم المراكز الثقافية ودور المسرح والأوبرا في هونغ كونغ واستراليا وحتى في باقي الدول الخليجية (بنسبة ما).

نفترض طبعاً بأن مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي الذي تم افتتاحه في العام 2016 ومركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي المقرّر افتتاحه في نهاية 2017، بالاضافة الى المشاريع الثقافية الأخرى الآتية، نفترض بأنها مراكز ثقافية حكومية أو على الأقل شبه حكومية، خاصة وأن تمويلها وادارتها تعود الى الديوان الأميري، المشرف والمموّل الأكبر والأهم للمشاريع الانمائية والعمرانية في الكويت. قد يكون الديوان الأميري جهة خاصة وليست حكومية، كما يحتار الكويتيون في تصنيفها، وفي هذه الحالة يمكن القول أنهم يستطيعون فعل ما يشاؤون بمشاريعهم وتوجهاتها، ولكننا سنقع هنا بمغالطة كبيرة، فهذه الجهة تتحدث مباشرة باسم حاكم الدولة وأمير البلاد ، وتطرح جميع مشاريعها باسم الكويت وكممثل لها. فهي بتمويلاتها الضخمة، كويتية ووطنية مئة في المئة ولا تسعى الى أي منافسة تجارية أو احتكار. لا نرى أبداً غاية تجارية وخاصة من افتتاح مشروع جميل مثل حديقة الشهيد مثلاً. هذا من دون التذكير بأن المراكز الثقافية التي تقوم هذه الجهة بانشائها هي المراكز الثقافية الوحيدة في الكويت - ذات القدرة المالية والتنفيذية العالية - تحمل أسماء أمراء وشخصيات وطنية، وبالأخص بأنها تحمل بوضوح عنوان (مركز ثقافي) وليس مسرحا او دار عرض او فرقة فنية.

بناء على التعريف أعلاه للمراكز الثقافية ومجال عملها لا بد من التوقف عند بعض التساؤلات حول مركز الشيخ جابرالأحمد الثقافي، تساؤلات يطرحها كل متتبع لفعاليته:

- البرنامج: اذا نظرنا الى برنامج العام 2016 - 2017 سنرى أن 75 في المئة من نشاطات المركز هي حفلات غنائية لمطربين ومطربات نراهم على قنوات روتانا (أحلام، عبدالمجيد عبدالله، راشد الماجد، نبيل شعيل، ماجد المهندس، شيرين...) وفي البرنامج الحالي المعلن حتى ديسمبر، يوجد هاني شاكر وراغب علامة، مع مرور مطربين أقل شعبية ولكن يبقون جماهيريين مثل غوغوش، ماجدة الرومي، نوال، ريهام عبدالحكيم، غادة رجب. نعود الى السؤال الجوهري: هل هذه هي نشاطات ما يمكن أن يسمى بالمركز الثقافي المتحدث باسم الديوان الاميري؟ واجهة الكويت، أو بالأحرى أضخم مركز ثقافي في المنطقة؟ والسؤال الذي يتبع مباشرة، هو بكل بساطة، لماذا؟ ما الذي سيقدمه هؤلاء المطربون - مع الاحترام الشديد لكل منهم - للمواطن الكويتي، للمجتمع الكويتي والخليجي، للجيل الشاب القادم، للثقافة الكويتية العريقة التي ترجمت ونشرت أهم الأعمال والدراسات الثقافية في المكتبة العربية (المسرح العالمي، عالم الفكر، عالم المعرفة) وأسست لأهم فكر صحافي في منطقة الشرق الأوسط؟ ما الهدف الثقافي والتوعوي والاجتماعي من وراء حضور حفلة غنائية لأي منهم، ومن هو حقيقة الجمهور المُستهدف والجمهور الذي يتم التركيز عليه ودفعه لارتياد (المركز الثقافي)؟

بالمقارنة مع التجارب الشبيهة والقريبة في المنطقة، خصوصا أن فورة العمل الثقافي والفني قد برزت فجأة في منطقة الخليج العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة، سنرى بأن الأوبرا الملكية في مسقط، وأوبرا دبي (بتمويل أيضا مباشر من الجهات الملكية والأميرية) تذهبان أبعد وأكثر جرأة في برامجهم، من خلال عروض الأوبرا (عايده، بحيرة البجع، روميو وجولييت) والسمفونيات العالمية والباليه (الفصول الاربعة لفيفالدي، البولشوي)، الذين يتم التعاقد معهم قبل سنة أو اثنتين، مما يتيح اعلان برنامج العروض مفصلاً مع الحجز قبل بداية الموسم بشهرين أو ثلاثة، كما هي العادة في أي دار أوبرا أو مركز ثقافي (تقليدي)، وهذا بشكل من الأشكال هو جزء من بناء تقاليد حضور عرض فني وتطوير التقاليد الاجتماعية والفكرية: الترقب، الاختيار، الحجز والاستعداد للذهاب لهذا النشاط الاستثنائي. معظم تذاكر هذه العروض يتم شراؤها من قبل الجمهور العماني والاماراتي، مما يدل بأنه جمهور ذواق ومتعطش لهذا النوع الفني مثله مثل الجمهور الكويتي.

اذا فالمغامرة والمراهنة هي ليست خطيرة كما قد يتخيل مركز جابر الأحمد الثقافي. وعلى فرض بأنها خطيرة - رغم أن هذه التجارب القريبة جغرافيا تثبت العكس - فان هنا تماما يكمن عمل ودور المركز الثقافي. هو ليس مهمته نشر عروض شعبوية وجماهيرية وبيع كل التذاكر، ففي النهاية هو لا يفترض الربح وهو ليس مركز حفلات. مهمته هو نقل التفكير الثقافي والاجتماعي الى مرحلة أعلى. عندما يحضر العرض الاوبرالي الأول في الموسم 300 شخص فقط،، ثم يحضر العرض الثاني 340 شخصا فنحن على الطريق الصحيح. هؤلاء الـ40 شخصاً يثبتون بأننا نبني تقاليد ثقافية وصلتهم ويرغبون بها، وبتجريبها، وبأنهم يريدون رؤية شيء آخر غير قنوات التلفاز، والمولات، والموبايلات أو غير الذهاب للتصور (سلفي) في حفلة هذا المغني او تلك المغنية.

عندها يبدأ البناء لجعل هؤلاء الـ40 ربما 200 او 300 من خلال مراجعة النشاط الذي قمنا به، تقريبه اكثر للذائقة المحلية او الذهاب أبعد بها، من خلال اقامة ورشات عمل ثقافية وفنية مع الشبان واليافعين والهواة الكويتيين اعتمادا على تجربة الأداء في هذا العمل الاوبرالي... هذا ما يسمى بالآرت اوتريتش او الكوميونيتي اوتريتش (التواصل مع المجتمع من خلال الفعل الفني والثقافي).

في المراكز الثقافية المعاصرة، ليس الحدث الفني (عرض مسرحي أو حفلة عزف) هو المهم بحد ذاته، انه مجرد وسيلة لجذب الأنظار للمكان، ما هو مهم هو النشاطات الموازية والمترتبة على هذا الحدث، والتي تقوم بالتعريف الفعلي بالمكان، وباعطاء الانطباع بأنه متاح ومفتوح لكل الطاقات: للقراءة، للتطوع، للمشاركة بورشة عمل، للقيام بورشة عمل، لطموح القيام بنشاطه الثقافي الخاص، لحضور فيلم سينمائي، للحديث اثناء نقاش مفتوح، لرؤية اصدقاء له يعزفون، لحضور مهرجان من الفعاليات الثقافية... هذا لا يجذب الأنظار فقط بل يجذب طاقات محلية وحراكا اجتماعيا وثقافيا جديدا، تجعل من الشاب الكويتي معتاداً على متابعة الذهاب لهذا المركز، ومن بعده ابناؤه (تقليدا) للحضور أو المشاركة في هذه او تلك الفعالية.

* كاتب كويتي مقيم في كندا

[email protected]