بداية جديدة للحرب السورية... والجولان المنسي

1 يناير 1970 06:42 ص
هل انتهت الحرب السورية؟ هناك من يقول ذلك بلغة الجزم، في حين ان الذين يعرفون بما يدور في سورية يؤكّدون ان الحرب بدأت هذه الايّام، او على الاصحّ دخلت مرحلة جديدة. الثابت ان الولايات المتحدة ليست مقتنعة بعد بانتهاء الحرب. الدليل على عدم وجود قناعة أميركية بانتهاء الحرب إصرار الإدارة الترامبية لدى «البنك الدولي» على عدم القيام بأي خطوة تصبّ في عملية إعادة اعمار سورية.

ما دامت اميركا ليست مقتنعة بانّ الحرب السورية انتهت، معنى ذلك انّ كلّ شيء على حاله وانّ هناك بداية جديدة للحرب، بغض النظر عن كون روسيا بدأت تعد نفسها لعملية إعادة الاعمار وهي في صدد استقبال وفد من رجال الاعمال القريبين من النظام. امّا الصين، فباشرت باتخاذ كلّ الاجراءات المطلوبة لتكون جاهزة على الارض في حال حصول تطوّر على هذا الصعيد. ثمّة معلومات تفيد ان الصين مهتمّة بإعادة تأهيل ميناء طرابلس في شمال لبنان كي يكون في تصرّفها وكيّ يشكّل قاعدة انطلاق لها متى وجدت ان هناك جدّية في ما يتعلّق بإعادة بناء سورية.

تشير آخر الأرقام الى حاجة سورية الى ما يزيد على 300 مليار دولار، في اقلّ تقدير، من اجل إعادة بناء ما تهدّم وتأهيل البنية التحتية مجددا. لم يعد سرّا ان النظام السوري مستعد لتدمير كلّ حجر في البلد قبل ان يقتنع بانّه مرفوض من شعبه وانّ لا شرعية له من ايّ نوع كان. وهذا سبب اكثر من كاف لاستمرار الحرب التي ادّت الى الآن الى وضع مناطق سورية مختلفة تحت نفوذ خمس قوى اجنبية على الاقلّ. تتوزّع هذه القوى على المناطق الخمس في وقت لا يزال بشّار قادرا على القول انّه لا يزال واليا على دمشق. الأكيد انّه لم يعد واليا على بلاد الشام كما كان يطمح.

مضى نصف القرن على احتلال إسرائيل للجولان عندما كان حافظ الأسد لا يزال وزيرا للدفاع. يعتبر مرور نصف القرن اكثر من ثمن كاف قبضه النظام ثمنا لتسليمه الجولان. سُلّم الجولان في ظروف ما زالت في حاجة الى تشكيل لجنة تحقيق لكشف تفاصيل تلك الجريمة في سياق احداث حرب 1967. هل تجدّد إسرائيل رخصة البقاء التي اعطتها للنظام السوري الذي تأسس عمليا في 23 فبراير 1966 لدى حصول انقلاب قاده الضباط العلويون ابرزهم محمّد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد الذي امتلك دهاء لا يقارن بذلك الذي كان لدى عمران وجديد.

هناك مهمة لم تنجز بعد مطلوبة من النظام السوري. مطلوب بقاء الأسد الابن في دمشق كي يُجهز على سورية. هذا ما يفسّر هذا التقاسم للنفوذ في مناطق معيّنة بغطاء أميركي - روسي. هل صدفة اقتصار مثل هذا التفاهم بين واشنطن وموسكو على سورية وحدها؟ لا يعود الامر مستغربا متى تبيّن ان ما يجمع بين الاميركي والروسي في سورية هو إسرائيل وضمان امنها وتكريس احتلالها للجولان. فبعد مضي نصف القرن على الاحتلال، لم يعد مطروحا عودة الجولان الى اهله. لم يكن حافظ الأسد مهتمّا في ايّ يوم باستعادة الجولان. لو كان مهتما، لكان قبل عقد صفقة مع اسحق رابين في العام 1995 او مع ايهود باراك في العامين 1999 و2000. كان همّه محصورا في كلّ وقت في كيفية المتاجرة بورقة اسمها الجولان وتحويل هذه الورقة ضمانة لنظامه...

السؤال الآن، لماذا الحرب مستمرّة؟ الجواب انّ ذلك يعود الى سبب في غاية البساطة مردّه الى انّ هناك قوى داخلية ستتصارع داخل كلّ منطقة نفوذ تابعة لهذه القوّة الإقليمية او الدولية او تلك. معظم هذه القوى التي ستتصارع في ما بينها ستكون ميليشيات ارتبطت بطريقة او باخرى بالنظام... او انهّا ميليشيات تنفّذ اجندة خاصة بها كما حال الاكراد في الشمال السوري.

دخلت الحرب السورية مرحلة جديدة لا شيء واضح فيها باستثناء ان الاميركيين وضعوا يدهم على معظم الثروات السورية، من زراعة ونفط وغاز ومياه، فيما الروس يسيطرون على الساحل والايرانيون على مناطق قريبة من دمشق لديها امتداد في اتجاه لبنان.

صار الوضع السوري اقرب الى الاحجية من أي امر آخر، علما ان هناك خطوطا عريضة لتلك الاحجية. من الواضح ان ايران مهتمة بحماية «حزب الله» وببقاء الرابط بين منطقة وجودها في سورية من جهة والأراضي اللبنانية من جهة أخرى. من الواضح ايضا ان الاميركيين الذين لم يبلوروا بعد استراتيجية سورية منهمكون بإيجاد قواعد في الشمال السوري وبالعلاقة مع الاكراد. من الواضح اخيرا ان روسيا مهتمة بالساحل وضمان امن إسرائيل في الوقت ذاته. اما تركيا، فقد ضمنت تحوّلها جزءا من المعادلة السورية بعد اعتراف روسيا وايران بان لا بد من ان يكون لها نفوذ في الداخل السوري، خصوصا بعد الدور الذي لعبته في خروج المعارضة من حلب... مع منع بشّار الأسد من المجيء الى المدينة للاحتفال بانتصار ما فيها.

ولكن ماذا عن إسرائيل هل تكتفي بالضمانات الأميركية والروسية لأمنها وبأن أحدا لن يثير بعد الآن موضوع الجولان المحتلّ معها؟ صارت قضية الجولان قضية منسية بالفعل. لم يعد هناك من يطرح مستقبل هذه الأرض المحتلة. يتمثّل الهمّ الوحيد القائم حاليا، لدى المعنيين، في كيفية توفير كلّ الضمانات التي تطلبها اسرائيل عن طريق افهام ايران ان لا مصلحة لها في السعي الى الاقتراب ان مباشرة او عبر «حزب الله» من الجولان.

مع دخول الحرب السورية مرحلة جديدة، ليس مستقبل الجولان الوحيد الغائب عن تلك الحرب. هناك غائب اكبر هو الشعب السوري الذي ثار على نظام أراد استعباده، وهو نظام دفع مسبقا الثمن المطلوب إسرائيليا في مقابل تمكينه من البقاء في السلطة في عهد حافظ الأسد والتمسّك بقشور السلطة في عهد بشّار الأسد، اقلّه في السنوات الست الاخيرة.

تبقى نقطة أخيرة تطرح نفسها كيف ستتصرّف ايران المصرّة على البقاء في سورية ولبنان؟ هل في الإمكان عقد صفقة معها تبعدها عن الجولان وتسترضيها في الوقت ذاته. الأكيد ان إسرائيل، وبالتالي اميركا وروسيا وتركيا، لا تمانع في مثل الصفقة التي يخشى ان تلحق الضرر بلبنان. انّه لبنان الذي ليس مسموحا له حتّى الاحتفال بانتصار جيشه في جرود رأس بعلبك على إرهاب «داعش»، بل عليه الاكتفاء بالاحتفال بالصفقة التي عقدها «حزب الله» مع «داعش» الذي انتقل مقاتلوه وافراد عائلاتهم الى حيث كان مطلوبا ان يكونوا في الداخل السوري بكل امان في ظلّ اعتراض أميركي لم يتجاوز الشكليات!