خيرالله خيرالله / من فوائد مشاركة لبنان في مؤتمر أنابوليس

1 يناير 1970 01:34 م

لعل أكثر المفارقات تعارضاً مع المنطق ذهاب النظام السوري إلى مؤتمر أنابوليس من جهة ودعوة «حزب الله» لبنان إلى مقاطعة المؤتمر من جهة أخرى. إن دلت هذه المفارقة على شيء، فإنها تدل مرة أخرى على أن المطلوب أن يكون لبنان «ساحة» يستخدمها النظامان الإيراني والسوري لتحسين شروط التفاوض مع «الشيطان الأكبر» الأميركي و«الشيطان الأصغر» الإسرائيلي...على حساب لبنان واللبنانيين. والواقع أنه آن أوان أن يفكر الحزب في مصلحة لبنان أوّلاً بدلاً من أن يظل الوطن الصغير مجرد رهينة يحسّن الآخرون شروطهم التفاوضية على حسابها.

لن يخسر لبنان شيئا من المشاركة في مؤتمر أنابوليس. على العكس من ذلك، تسمح له مثل هذه المشاركة بطرح قضيته المتمثلة في استعادة مزارع شبعا. من يريد استعادة مزارع شبعا، بدلاً من المتاجرة بها، يذهب إلى أنابوليس ويطالب بها وبترسيم الحدود اللبنانية - السورية، كي لا يبقى كلام النظام السوري عن أن المزارع لبنانية كلام بكلام لا يستهدف سوى التغطية على مخططاته الحقيقية وأطماعه في لبنان.

إن مزارع شبعا لبنانية بالفعل. ولا يوجد شك في لبنانيتها من وجهة نظر لبنان، علماً أنها احتلت في العام 1967 عندما كانت تحت السيطرة السورية. والسؤال: لماذا تمتنع بعض الجهات اللبنانية عن قول الحقيقة والتعاطي مع الواقع؟ لماذا لا تقول هذه الجهات إن هناك خيارين أمام النظام السوري، في حال كان يريد بالفعل خدمة لبنان وليس استخدام المزارع لضرب الاستقرار فيه كما فعل في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في العام 2000.

ما يفترض في اللبناني الصادق والمدافع حقيقة عن عروبة لبنان وكل ما هو عربي في المنطقة قوله إن في استطاعة النظام السوري الاعتراف، كخيار أول، بأنه دخل المزارع عنوة في العام 1956 وأقام مخافر فيها. وخسر المزارع في حرب 1967 التي انتهت باحتلال إسرائيلي للجولان مازال مستمراً حتى اليوم من دون أن تحرك دمشق ساكناً، إلا إذا تبين يوماً أن حرب 1973 كانت بالفعل حرب تحرير وليس حرب تحريك. هذا يعني في طبيعة الحال أن المزارع مرتبطة باستعادة سورية للجولان وأن ما ينطبق على شبعا هو القرار الرقم 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر من العام 1967 وليس القرار الرقم 425 الذي اعتبر مجلس الأمن في بيان رسمي له أن إسرائيل نفذته في العام 2000.

أما الخيار الآخر أمام اللبنانيين المطالبين بمزارع شبعا والذين يستخدمون المطالبة للمزايدة على الحكومة اللبنانية فقط، فهو يتمثل في دعوة النظام السوري إلى ترسيم الحدود فوراً بدلاً من إيجاد تبريرات لامتناعه عن ذلك. من شأن ترسيم الحدود تسهيل مساعي الأمم المتحدة الهادفة إلى فصل قضية مزارع شبعا عن قضية الجولان تمهيداً لإعادتها إلى لبنان، ولكن أليس الفصل بين القضيتين نسفاً لكل الاستراتيجية السورية المبنية على استخدام جنوب لبنان كي يؤكد النظام في دمشق أنه لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله بدليل أنه استطاع وضع جبهة جنوب لبنان في تصرف النظام الإيراني؟

ولكن يبقى ما هو أهم من هذا كله، أن ذهاب لبنان إلى مؤتمر أنابوليس تكريس لوجود سياسة لبنانية مستقلة ترفض أن تكون تابعة لأحد، سياسة ترسمها وتنفذها حكومة لبنان الشرعية المدافعة عن مصالح اللبنانيين وحقهم في أن يكونوا أحراراً وليس وقوداً في النزاعات الإقليمية.

من حق اللبنانيين الدفاع عن مصالحهم. ما ذنبهم إذا كانت هناك أحزاب لبنانية تريد أن تكون أدوات. ما ذنبهم إذا كان مؤتمر أنابوليس فرصة ليفهم كل من يعنيه الأمر أن حكومة لبنان شرعية وأن الأسرة الدولية تعترف بها وأن مشكلة عدم انتخاب رئيس للجمهورية في المهلة الدستورية، وهي مشكلة، افتعلها النظام السوري سترتد على النظام عاجلاً أم آجلاً، كما سترتد على أدواته وأدوات الأدوات التي تستخدم في تعطيل انتخاب رئيس يليق بلبنان واللبنانيين، وليس مجرد قناع يتخفى خلفه موظف من الصغار الصغار في دوائر الرئاسة والأمن السورية.

يبقى أن من الفوائد الأساسية الأخرى لوجود لبنان في أنابوليس أن الوفد الحكومي سيكتشف هل طرأ تغيير على الاستراتيجية السورية التي تريد استخدام المؤتمر من أجل التفاوض مع الأميركيين من أجل العودة إلى لبنان بدلاً من التفاوض مع إسرائيل من أجل استعادة الجولان؟ ولذلك، يفترض في الوفد اللبناني اعتماد الحذر الشديد والتنسيق في العمق مع الوفود العربية الأخرى خلال انعقاد مؤتمر أنابوليس وفي المرحلة التي ستليه. يكفي أن النظام السوري ذهب إلى أنابوليس بعد منعه لبنان من انتخاب رئيس جديد وليقول للإدارة الأميركية أنه يسيطر على لبنان وألا استقرار في الوطن الصغير من دون عودته إليه بموجب صفقة بين دمشق وواشنطن. مثل هذه الصفقة ستسمح من وجهة نظره بانتخاب رئيس جديد لبنان وتوقف عمليات القتل والتفجير والتخريب في البلد. هل الإدارة الأميركية في هذا الوارد؟ الجواب أنها على غير استعداد لصفقة جديدة على حساب لبنان من دون أن يعني ذلك في أي شكل أن على اللبنانيين التوقف عن المقاومة بكل أشكالها. والأكيد أن من بين أشكال المقاومة التعجيل في انتخاب رئيس جديد بما يؤكد أن النظام السوري يخطئ مرة أخرى حين يعتقد أن إميل لحود كان آخر رئيس للبنان...

 

خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن