خواطر صعلوك
مبروك بقاء الأسد!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
04:16 م
شاهدت فيلماً وقرأت رواية وسمعت خطاباً سياسياً، ثم قلبت الصحف. لقد كان الجميع يتحدث عن السلام!
ومن فوري تذكرت اليمنيين الذين ماتوا في اليمن بالكوليرا أو بالبارود أو بالحزن، والجنود الذين قتلوا في غارة عسكرية بينما كانوا يتساءلون عن جدوى المعركة، والثوار الليبيين الذين ماتوا من دون أن تتاح لهم فرصة توديع أمهاتهم، وحملة السلاح الذين سقطوا في كمين الميليشيات، وأفراد الميليشيات المعلقة صورهم على القبور أمام أمهات حثون التراب وتأملن اللاشيء، والثائر السوري الذي خطفته رصاصة البندقية الحديثة من دون أن يشعر أصدقاؤه في الفيسبوك أن هناك أحدا نقص من القائمة، والجندي السوري الذي مات في انفجار مدبر من طرف لا يعرفه بينما كان يداعب تميمة علقتها أمه على رقبته، وكل أولئك الذين أحرقوا وقطعوا وأغرقوا وتم استئصال أعضائهم عبر مشاهد فيديو مصورة تعبر بوضوح عن سادية الحاضر، وحديثي الولادة الذين قتلوا بسبب القصف الجوي عبر البراميل أو أحدث أنواع الصواريخ، وذلك المدني الذي اعتلى الرصيف ليعلن عن حياده ورغم ذلك تفجر قفصه الصدري ليموت في ليل طغى على وطنه في عز النهار. وأولئك الذين قتلوا أمام أبنائهم في نقاط تفتيش طائفية، وأولئك الذين تظاهروا بالنوم أثناء تفتيش بيوتهم حتى ماتوا من الخوف، وكل الذين تألموا أمام زوجاتهم في صورة غريبة وسريالية ولكنها مفهومة ومبررة.
الأطفال الذين يحلمون بحوافر الخيل وهي تهشم جماجم آبائهم، والآباء الذين يصابون بكابوس غرق أبنائهم في قارب مطاطي عبر المتوسط، والأسرة التي نقص منها واحد في قاربها المطاطي... وكل الذين أرادوا أن يغنوا فوجدوا أنفسهم يبكون.
القطط التي أقامت مهرجانات صاخبة طوال الليل بين حواري القرى المدمرة، والكلاب التي نهشت في جثث لم تجد من يدفنها، والغربان التي حامت حول الحمى وأوغلت فيه، وتلك المرأة التي صار بيتها فارغاً وصامتاً مع جزء كبير محطم وطاولة طعام اعتلى الغبار أغلب كراسيها التي كانت يوماً ما عامرة ووردة ذابلة، وشاب نخرته الأيديولوجيا في رأسه فقتل جاراً سوياً، وصديقاً وفياً، وسيدة حرة، وإخواناً كثر في الدين والوطن حتى سقط منهكاً ليس بسبب قلة النوم ولكن بسبب قلة اليقظة، وسبعينياً ذهب لكي يصلي نوافله بعد المفروضة فوجد الديناميت قد حصد المصلين مع التكبيرة الأولى، وثلاثينياً تأخر عن موعد غرامي فلم يمت في انفجار المطعم الذي انتظرته فيه، وعشرينية فاتنة الجمال ذهبت للصيدلية لشراء كريم لحبوب الوجه فلم تعد لأن الخاطفين بدلاً من أن يطلبوا الفدية قرروا أن يتسلوا حتى النزيف!!
وطلاب المدارس في العراق الذين سألهم المعلم يوماً: ماذا تريدون أن تصبحوا عندما تكبرون؟، فيجيب أكثرهم ذكاء... مدير بنك، ويجيب أكثرهم شقاوة... أريد أن أسطو على هذا البنك، ويجيب آخر... أريد أن أغني في التلفاز، ويهمس أكبرهم الذي عاد السنة مرتين أريد أن اتزوج، فيضحك الجميع وتتهدم المدرسة فوق رؤوسهم.
كل الذين ماتوا في طريق الهجرة للشمال، وكل الذين أجبروا على الهجرة للجنوب وهم يحملون سلالتهم وسلال ملابسهم وإفرازات غدد دمعية لا تتوقف فيظهر عليهم وعثاء السفر وكآبة المنظر وندبة صغيرة بين العين والفم، والذين يموتون قهراً في المخيمات لأن مصيرهم معلق بيد المعفيين من الجمارك وركاب الدرجة الأولى الذين يصرفون أكثر من 50 في المئة من المعونات على تنقلاتهم وفنادقهم ولحظات مساج للأصابع.
وأولئك الذين أحبوا روسيا الشيوعية ورغم ذلك قتلوا، والآخرون الذين أحبوا أميركا الرأسمالية ورغم ذلك قتلوا... والأقلية التي تباد في بورما، والأغلبية التي انهارت في الشرق الأوسط.
لكل هؤلاء وهؤلاء أردت أن أقول شيئاً لا أحاول من خلاله أن أبدو درامياً أو أزيد حزن القارئ على واقع مشاهد ومرئي لن تضيف الكتابة عليه شيئاً.
فقط أردت أن أقول لكل الذين حلوا ضيوفاً على أسطر هذا المقال، والذي كلما علا زاد انحدارا للقاع، أن يوم السلام العالمي سيكون حاضراً في هذا الشهر بينما أنتم غائبون، أنتم يا ضحايا الثوار والحكومات والميليشيات وأميركا وروسيا والأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدولي والإعلام ومصانع السلاح ونحن... أنتم يا ضحايا كل العالم... ها هو العالم سيحتفل بيوم السلام، بينما أنتم غائبون، فهلا أرسلتم من ينوب بالحضورعنكم، فنعد له منبراً ومتكأ لكي يوضح لنا حقيقة جدوى أن يكون هناك قاتل ومقتول ومفقود!
كاتب كويتي
moh1alatwan@