خيرالله خيرالله / بين المغرب والجزائر... والخوف من «البلقنة»
1 يناير 1970
03:47 م
كان الرد الجزائري على مضمون الخطاب التصالحي الذي ألقاه الملك محمد السادس قبل أيام مخيباً. تزداد الخيبة في ضوء الدعوة الصادقة التي تضمنها خطاب العاهل المغربي، من أجل إيجاد تعاون بين دول المنطقة، ومن أجل أن تكون هناك انطلاقة جديدة للاتحاد المغاربي. يكشف الرد الجزائري، الذي تحدث عن «خلافات داخلية» في المغرب، سوء نية أكثر بكثير مما يكشف جهلاً؟ لا وجود لخلافات في المغرب، وهذا ما يعرفه الجزائريون قبل غيرهم. كل ما هناك أن في المغرب من يسعى إلى الارتباط بالمستقبل، في حين هناك في الجزائر من يصر على البقاء في أسر الماضي، بل في أسر كل سيئاته.
من حق المغرب إبداء قلقه من «بلقنة» المنطقة، عندما يتبين أن الجزائر تسعى إلى محاربة الاستقرار فيها، عن طريق استخدام جبهة «بوليساريو» في لعبة لا تستهدف سوى استنزاف المغرب لا أكثر ولا أقلّ. وكأن استنزاف المغرب في لعبة اسمها الصحراء الغربية يفيد الجزائر في شيء، أو يخدم الوضع الإقليمي والاستقرار فيه. بكلام أوضح، لا تصب اللعبة الجزائرية، التي باتت مكشوفة إلى حد كبير، سوى في خدمة زعزعة الاستقرار الإقليمي بدل خلق مجالات لتعاون بين دول المغرب العربي، يساعد في التعاطي بشكل موحد، وبطريقة أفضل، ومن موقع قوة مع التكتلات الإقليمية، على رأسها الاتحاد الأوروبي ومع التحديات الإقليمية، في مقدمها التنمية الداخلية، والحرب على الإرهاب، والتطرف، والفقر، التي يخوضها محمد السادس.
اختارت الجزائر، كنظام بالطبع، إضعاف الاتحاد المغربي لأغراض خاصة بها. إنها العقدة القائمة على فكرة خاطئة تماماً، فحواها أن في استطاعة الجزائر لعب دور القوة الإقليمية المهيمنة، مستفيدة من أي ضعف مغربي. ينسى النظام الجزائري أن مثل هذا النهج لا علاقة له بالواقع. ما ينساه خصوصاً أن المغرب استطاع، على الرغم من أنه ليس دولة نفطية، تحقيق تقدم كبير في الأعوام الأخيرة، وتجاوز أزمات ضخمة عن طريق تطوير اقتصاده، وإمكاناته، والانفتاح على الاستثمارات العربية والأجنبية، وخوض الحرب على الفقر، في حين أن الجزائر لا تزال أسيرة أسعار النفط التي لا مستقبل لها من دونها. تحسن اقتصادها مع تحسن أسعار النفط، وليس مستبعداً أن يصاب هذا الاقتصاد بانتكاسة في حال تدهورت أسعار النفط، كما حصل في المرحلة التي سبقت أحداث العام 1988 التي هزت الأسس التي يقوم عليها النظام، وفرضت تغييرات كبيرة شملت إعادة النظر في نظام الحزب الواحد، من دون الانتقال إلى أبعد من ذلك، أي إلى إدراك أن الجزائر دولة عادية في حاجة إلى توظيف ثروة النفط والغاز في خدمة شعبها ورفاهه، وفي خدمة الحرب على الإرهاب، والعمل من أجل استقرار إقليمي حقيقي ذي مضمون حضاري على تماس مع ما يشهده العالم من تطورات على كل الصعد.
من يتمعن في الرد الجزائري على الانفتاح المغربي، الذي يشمل إقامة علاقات طبيعية بين البلدين، وإعادة فتح الحدود المغلقة بينهما منذ العام 1994، فضلاً عن دعم الحكم الذاتي للصحراء الغربية، يرى أن الجزائر لا تزال أسيرة العقدة القديمة التي لا تزال تتحكم بتصرفات النظام. إنها عقدة المغرب. يحتاج تجاوز العقدة إلى رجال دولة، وليس إلى رئيس للجمهورية يعتقد في العام 2008 أن في استطاعته تقمّص دور هواري بومدين في الستينيات، والسبعينيات من القرن الماضي... كي يشعر بالنشوة، وبأن بلده صار لاعباً على الصعيدين الإقليمي والدولي.
قبل كل شيء، كان بوتفليقة وزير الخارجية في عهد بومدين، ولم يكن بومدين نفسه الذي مثل المؤسسة العسكرية، والأمنية، وهيمنتها على السلطة. وليس صدفة أن المؤسسة العسكرية والأمنية فرضت الرجل العسكري الذي اسمه الكولونيل الشاذلي بن جديد خليفة لبومدين بعيد وفاته، واستبعدت بوتفليقة، كما استبعدت الرجل القوي في الحزب الحاكم محمد صالح يحياوي. لا علاقة للمرحلة الراهنة، التي تعيشها المنطقة والعالم، بما كان سائداً في الستينيات والسبعينيات. أكثر من ذلك أن ظروف عبد العزيز بوتفليقة تختلف كلياً عن ظروف هواري بومدين. كانت تجربة بومدين تجربة خاصة وفريدة نظراً إلى أنها كانت مرتبطة بالحرب الباردة، والانقلابات العسكرية، والشعارات الطنانة، التي لا تقدم ولا تؤخر. كان العالم مختلفاً، وكانت الجزائر مختلفة، وكانت التحديات التي تواجهها من نوع مختلف. هل يدرك الرئيس بوتفليقة، الساعي إلى تمديد ولايته، هذه المعطيات وأهميتها، أم يعتقد أن رفع شعارات فارغة من الماضي سيسمح له بلعب دور «البطل الوطني»، من منطلق أن مثل هذه الشعارات ستتيح له المزايدة على المؤسسة الأمنية، التي ترى في أزمة الصحراء باب رزق لبعض الضباط الذين يتاجرون بالصحراويين وقضيتهم، إنها قضية لا يمكن أن تجد لها حلاً إلا في إطار مشروع الحكم الذاتي الذي تطرحه المملكة المغربية؟
يفترض في الرئيس الجزائري، الذي يخوض بنجاح معركة تعديل الدستور من أجل الحصول على ولاية رئاسية أخرى، أن يدرك أن في استطاعته ترك بصماته على تاريخ الجزائر، والمنطقة، عن طريق الإقدام على نقلة نوعية يتجاوز من خلالها عقدة المغرب. مثل هذه النقلة النوعية تقتضي خطوة شجاعة تصب في النهاية في خدمة الشعب الجزائري، بدلاً من الاستمرار في بيعه الأوهام. من يريد بالفعل خدمة الشعب الجزائري لا يستخدم قضية الصحراء، وإغلاق الحدود مع المغرب لاظهار ولائه للمؤسسة الأمنية والعسكرية، وانقياده لها، مع المزايدة في الوقت ذاته على المتاجرين بالصحراء والصحراويين. من يريد بالفعل خدمة الشعب الجزائري والبحث عن مستقبل أفضل لهذا الشعب، وعن حلول حقيقية للمشاكل التي يعاني منها البلد، يفكر في كيفية جعل الجزائر في حل من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهبوطها، بدلاً من أن تكون تحت رحمتها. من يفكر في كيفية مواجهة تحدي الإرهاب، الذي لا يزال يضرب يومياً في هذه المنطقة الجزائرية أو تلك، يفكر أولاً في التعاون ذي الطابع الإقليمي الذي من دونه لا قضاء على الإرهاب والفكر المتطرف.
تحتاج المرحلة الراهنة إلى قادة حقيقيين، وليس إلى مزايدات ومزايدين، في حال كان مطلوباً الانتقال بالاتحاد المغربي إلى مرحلة يأخذه فيها الاتحاد الأوروبي والعالم على محمل الجد. الطريق واضحة كل الوضوح. إنها طريق التعاون والانفتاح على الآخر. المدخل معروف. إنه الحكم الذاتي للصحراء الغربية. من يرفض الحل، إنما لا يريد حلاً بمقدار ما أنه يعتقد أن مستقبله مرتبط باستمرار الأزمة، وباستمرار حال البؤس السائدة لدى الصحراويين في مخيمات تندوف. مثل هذا النهج دليل على قصر نظر لا أكثر. إنه الطريق الأقصر إلى كارثة جديدة تحل بالجزائر، على غرار تلك التي حلت بعد أحداث أكتوبر 1988، والتي لا يزال شبحها مهيمناً على المشهد الجزائري. إنه دوران في الحلقة المقفلة لا أكثر ولا أقل. هل في استطاعة بوتفليقة كسر الحلقة، أم أن الولاية الجديدة أهم بكثير، بالنسبة إليه، من مستقبل الجزائر، والرفاه لشعبها المغلوب على أمره؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن