خواطر قلم

الإذاعة السرية والتلاحم الكويتي

1 يناير 1970 09:29 م
قبل جريمة غزو العراق للكويت بأيام قليلة، سافرت إلى مكة المكرمة بهدف التفرغ لاستكمال بحث رسالتي للماجستير في جامعة أم القرى، وكنت أقطن في شقة بمنطقة العزيزية مع بعض الأحبة من طلبة الدراسات العليا بذات الجامعة.

وقعت كارثة الغزو وحل بالناس ما يعرفه كل من عاش المأساة.

وقتها كانت هناك أسر كويتية جاءت مكة للعمرة، فاستضفنا العائلات، بعد أن تقطعت بهم سبل العودة، في شقق الطلبة المسافرين إلى بلدانهم في عطلة الصيف، حيث كانت المفاتيح معنا، وأما بعض المعتمرين العزاب فاستضفناهم لأسابيع عندنا ريثما ترتبت الأمور من الدولة.

بعد مرور أسبوعين تقريباً أو أقل، جاءني اتصال هاتفي من العم عبدالله علي المطوع رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي رحمه الله، يقول لي: «يا ولدي يا محمد نريد منك الالتحاق بإخوانك الإعلاميين الكويتيين في منطقة أبو حدرية بالمنطقة الشرقية حيث خصصت المملكة العربية السعودية لكم إذاعة خاصة تبث موجاتها للكويتيين في الداخل لرفع معنوياتهم وتثبيتهم ونشر ما يأتيكم من تقارير وإرشادات حكومية».

وبعدها اتصل بي الشيخ ناصر صباح الأحمد وأكد الطلب ذاته وقال: «اليوم يومكم».

وتمت الترتيبات وسافرت إلى هناك وقضيت قرابة ثلاثة أشهر مع رفقة وزملاء منقطعين عشرات الكيلو مترات على ساحل بحر، منعزلين فيه عن التواصل الاجتماعي مع الناس حيث لا وجود للحياة المدنية في تلك المنطقة حينذاك.

وكم تمنيت لو سجلت يوميات ما كنا نعيشه مع الزملاء من هموم وحوارات وآلام وآمال ومناكفات وقفشات، كتب بعضها الزميل الإعلامي يوسف مصطفى في كتابه وأرفقها ببعض الصور. كما ذكر الزميل الإعلامي عامر العجمي طرفاً عن تلك المرحلة والإذاعة في لقاء متلفز، وأعتقد أن غيرهما ذكر ذلك أيضاً، وتحتاج هذه المادة إلى من يجمعها في أرشيف، سائلاً الله تعالى الشفاء العاجل للزميل الإعلامي بو شملان علي حسن، الذي دخل غرفة عمليات القلب يوم أمس، فقد كان في الإذاعة كالأب الذي يبشر بالخير القادم وكان يساندني في حواراتي مع الأستاذ محمد القحطاني في جدليات التشاكس الجميل.

كنا بمن معنا من حراسة كويتية لا نتجاوز العشرين شخصاً على قلب رجل واحد همةً وهدفاً نواصل العمل ليل نهار.

وقد زارنا الشيخ جابر المبارك وشكرنا وشجعنا، وإذا لم تخني الذاكرة كان بصحبته المرحوم رضا الفيلي.

كنت أبث يومياً خطاباً ذا شقين، الأول يخص تقوية الإرادة من خلال التذكير بقيم الثبات والصبر وأننا أهل حق ندفع الظلم الذي وقع علينا ومن مات دون دينه وأهله وعرضه وماله فهو شهيد، وكنت أركز كذلك على معاني التعاون والإيثار والتضحية… وفي الشطر الثاني، كنت أسلط الضوء على جرائم البعث وطغيان النظام العراقي.

في هذه الأثناء اكتشف البعثيون صوتي، لأن السفارة العراقية في الكويت كانت قبل الغزو مستاءة مني ومن الشيخ أحمد القطان ومجموعة من الخطباء الذين كانوا ينددون بمظالم البعث، في الوقت الذي كان هذا النقد خافتاً في المجتمع تقديراً من أهل الكويت قيادة وشعبا لظروف الحرب العراقية - الإيرانية وكان يقابل إحسان الكويتيين صلف السفارة العراقية في بلدنا.

فبدأ البعثيون يبحثون عن بيتنا في الكويت، وكان الكويتيون يستخرجون لأنفسهم بطاقات بأسماء بديلة توفرها لهم المقاومة، خصوصاً المطلوبين منهم للغزاة.

وفِي قصة طويلة وخدعة للوالد ووشاية من صديق عربي (مرتزق) ألقوا القبض على أخي عبدالرحمن.

وبدأوا البحث عن زوجتي وكانت حاملاً في شهرها الثامن، فاختفت في منزل شقيقتها في الخالدية ووصلت إليها المذيعة سلوى حسين لتوصل لهم أخباري، لكنهم من الخوف شكوا فيها أن تكون طعماً بعثياً، ثم اطمأنوا لها لما عرفوها وشكروها. وبعدها، رحلت زوجتي إلى منزل خالتها الطبيبة في الرميثية وأنجبت لي بنتاً، وأنا في السعودية لا أعلم عن اعتقال أخي ولا مطاردة زوجتي ولا ميلاد ابنتي!

وسألوا والدي ماذا نسمي حفيدته، بنت محمد؟ قال مداعباً: «سموها (سيطرة)»!

زاد قلق أهل زوجتي بعد توارد الأخبار عن سؤال البعثيين عني وعن أهلي، فقرروا الخروج من البلد وقامت المقاومة الكويتية باستخراج أوراق ثبوتية جديدة بأسماء مستعارة وبطاقات لزوجتي وأبنائي الأربعة.

والزميل عماد الهاجري ناظر المدرسة ومذيع البرامج والمناسبات الدينية كصلاة الجمعة والتراويح والأعياد وغيرها في إذاعة وتلفزيون الكويت، تكفل مع زوجته الكريمة بترتيب تهريب زوجتي وأطفالنا إلى المملكة العربية السعودية، وفعلاً ما هي إلا أيام وإذا بأهلي ينتقلون من حدود الكويت إلى الإذاعة السرية.

وهنا طلب مني الأخوة في الإذاعة الذهاب لترتيب الأمور الخاصة بالعائلة.

كل فرد، كل بيت، كل شارع، كل زاوية، كل مؤسسة، كل موقع... يحكي قصة وعبرة وملحمة وذكرى لمفخرة تلاحم شعب ووحدة مجتمع في أكبر عاصفة كيد جاءت لتقتلعه من الوجود وتمحوه من التاريخ وتشطبه من ذاكرة الحياة، لتنتصر الإرادة على الخيانة ويعلو الوفاء على الدهاء ويسود الحق وينجلي معه غبار الباطل.

لم أسمع يوماً من أيام الشهور التي شاركت فيها إخواني واجباً تجاه بلدي، داخل إذاعة المقاومة في أبو حدرية، موضوع التصنيف ذي الطابع الإقصائي أو المرضي، رغم أننا كنا نمثل كل ألوان الطيف المجتمعي بمذاهبه وقبائله وعائلاته واتجاهاته السياسية والفكرية.

كانت بوصلة المصلحة العامة واضحة الاتجاه وكان الوعي العقلي حاضراً والنضج الانفعالي متزناً والقدرة على لملمة الشمل وتسكين الطوارئ الخلافية تحقق نجاحاً سريعاً.

هذا الدرس الذي سيتذكره الكويتيون اليوم في ظروف مرعبة تعيشها المنطقة لا تحتاج إلى بيان إلا الحذر من الطابور القميء، أتباع الأجندات الخارجية والمصالح الخاصة الضيقة أو أولئك الذين يزايدون ويتكسبون بتصعيد نبرة الفئوية - أياً كانت الفئة أو الكتلة - لتحقيق بطولات وزيادة طابور المتعاطفين المغرر بهم لتحقيق مصالح ذاتية على حساب الوطن وأهله.

الكويت كانت وما زالت وستبقى بإذن الله عصية على المؤامرات والمكائد، ما دامت متمسكة بمفهوم العدالة وما دام أهلها واعين لدسائس من يريد بنا سوءاً، فلا تمكنوا عدوكم من وطنكم، فالإنسان بلا وطن يحتويه يفقد استقراره وتزداد حيرته وعذاباته، والخائن لن يهتم به عدوه أو يكرمه بعدما يحقق هدفه، لأن العدو يعلم أن الخائن وضيع لا كرامة له ولا قيمة.

‏@mh_awadi