رؤى
الخلطة السرية
| علي سويدان* |
1 يناير 1970
07:55 م
حين نتتبَّع علمياً المسار الأزليَّ للأجرامِ في الفَلك، ونقرأ عن دورة الغازات ونِسَبِها في عِلْم الكيمياء، وإذا لاحظنا بروحِ النَّهِمِ في طلب العِلْم حركةَ التوازن البيئيّ بين الأحياء في الطبيعة نستنتجُ أن كل هذا النسق في الأداء ليس يحكمهُ نظامٌ فحسبْ بل في كل مرحلة من جوانب هذا الأداء في هذا العالَم يخضع لما يمكن أن نطلق عليه (القصاص)؛ حكايا جدتي... وحكمة جدّي وكتب المؤرخين وموروث الأدب والحداء للإبل في الصحراء، وعزف نايٍ بين أصابع فتىً يرعى الغنم، وغناء جارية تملأُ الماء، كل هذا وذاك يحكي عن ضياع حق ويروي للتاريخ أن لا ظالمَ يمكنه أن يخرج من دائرة القصاص ويُفلِتَ من محكمة السماء، ولسان الوجود يقول: على الباغي تدورُ الدوائر!
إذاً لا عبثية في مسيرة الحياة مهما رأينا مشاهد الفوضى أو ألوانَ التخبّط في الشعوب، ففي كل ما يجري في الحياة دوائرُ للقصاص الكوني؛ نظن أنها أداءات فوضوية وما هي إلا سنّة كونية توزّع الأدوار وتقتص من ظالم وتضع آخرين في دور التجربة، وهكذا حتى يكون كل ذلك مزيجاً من ألوان الحقيقة في الحياة.
صحيح أنها حال مؤسفة ما آلَ إليه العرب اليوم من فُرقة، لكن علينا أن نتساءل: إذا كنا نحن العرب إلى هذا الحدّ من التباعد والتناحر ولم نعد نعي مَواطن المصلحة في سلوكنا فإذاً لماذا اختارتنا السماءُ لينزل القرآن بِلُغتنا ؟!
لم يكن اختيار العربية مجردة لغة ليُخاطبَ من خلالها الربُّ جل في علاه الناسَ جميعاً في آخر رسالاتِ السماء إلى الأرض؛ بل كانت العربية منظومة لغوية مُبهرة للحس قبل بدء رسالة الإسلام، ونسقاً جمالياً عبّرَ عنه شعراء العصر الجاهليّ فصوّروا كل جوانب الخُلُق وأنَفَة الروح وكرمِ اليد وشجاعة اللقاء وبأس المواجهة ووفاء المشاعر وإيثار النفس وكل معاني الكبرياء، لذلك حين اجتمعت كل هذه المكارم في قوم فهموا أن الدين يجعلُ منهم مستسلمين للإله لا مُتَحكّمين في الناس أصبحوا في مقدّمة العالم بالعلم والعمل، إنها نقطة ارتكاز للعرب وهي أشبه بـ (شيفرة) للنهضة الحقّة؛ تكمن في فهم سليم للغتنا واعتدال في ممارساتنا الدينية ووعي بمصالحنا. حينها فقط حين نتذوق هذه الخلطة السرية لن نستسيغ غيرها بعد ذلك! وسنعرف آنذاك حين نصحو: لماذا اختارتنا السماءُ لينزل القرآن بِلُغتِنا؟!
* كاتب وشاعر سوري