خيرالله خيرالله / أوباما يثير بعض الخوف...

1 يناير 1970 03:46 م
ما شهدته الولايات المتحدة انقلاب بكل معنى الكلمة. انقلاب بالمعنى الإيجابي للكلمة. إننا أمام أميركا جديدة على الصعيد الداخلي أولاً، أميركا التي تسعى إلى التصالح مع أميركا. ويبدو أن ما حصل كان مصالحة بالفعل في حال أخذنا في الاعتبار أن أوباما الذين كان كثيرون يعتقدون أنه لن يصل إلى البيت الأبيض، نظراً إلى أنه أسود وإلى أن اسم والده هو حسين، حظي بدعم أميركيين من كل الفئات الاجتماعية. جاء انتصار باراك حسين أوباما بمثابة رفض لكل ما مثله جورج بوش الابن في السنوات الثماني الماضية، والذي أوصل القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى ما وصلت إليه. ما وصلت إليه أميركا بوش الابن كان أزمة اقتصادية طاولت كل بيت. ولأن أميركا هي أميركا، ما لبثت الأزمة الاقتصادية العميقة التي ضربتها أن انعكست على العالم، خصوصاً أوروبا. أدت الأزمة بين ما أدت إليه إلى هبوط كبير في أسعار النفط ستكون له من دون شك آثاره على غير دولة، خصوصاً إيران وروسيا وفنزويلا...
في حال كان مطلوباً القيام بتحليل بارد للتطورات التي شهدتها الولايات المتحدة، والتي توجت بالفوز الكاسح لباراك أوباما على جون ماكين، فإن أول ما يمكن قوله إن أميركا تخرج من أزمتها الاقتصادية بصعوبة وبطء، وستكون، على الأرجح، قادرة في الأشهر القليلة المقبلة على الانصراف شيئاً فشيئاً إلى معالجة النتائج المترتبة على السياسات الخاطئة لإدارة بوش الابن، خصوصاً في العراق. ولا شك أن أسعار النفط ستساعدها في القيام بالمعالجة اللازمة نظراً إلى ما للهبوط من انعكاسات إيجابية على الصعيد الداخلي. بمجرد هبوط أسعار النفط، استعادت السياسة الأميركية قدرتها على المبادرة وعلى الدخول في مفاوضات مع دولة مثل روسيا أو إيران من موقع مختلف. إنه موقع القادر على الضغط بوسائل غير عسكرية قد تكون أنجع من منطق القوة الذي لجأ إليه بوش الابن وكانت نتيجته أن قاد غير منطقة من مناطق العالم إلى المجهول.
كيف سيتعاطى أوباما مع العالم؟ على الصعيد العملي، سيكون هناك سعي كبير إلى التغيير يرافقه بعض الخوف. لن تكون مواجهة مباشرة، أقله في المدى المنظور مع إيران مثلاً. سيكون هناك حوار معها. يقول أحد مستشاري المرشح الفائز: «مادمنا نحاور كوريا الشمالية في شأن برنامجها النووي، لماذا لا نحاور إيران؟». الثابت أن إدارة أوباما ستكون قادرة على الدخول في مثل هذا الحوار مع إيران، ولكن من منطلق أن حصول «الجمهورية الإسلامية» على السلاح النووي أمر «غير مقبول»، على حد تعبير مستشار أوباما نفسه، وهو من أولئك الذين سيكون لهم موقع مهم في الإدارة الجديدة. ويضيف الرجل أن الولايات المتحدة «ستستخدم كل الوسائل» لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. ما يبعث في المقابل على الخوف من إدارة أوباما أن نائب الرئيس جو بايدن الذي سيكون له دور كبير على صعيد رسم السياسة الخارجية كان دعا، في توصية إلى الكونغرس، إلى تقسيم العراق، معتبراً أن هذا التقسيم الذي يفضي إلى ثلاثة أقاليم في البلد سيريح الأميركيين ويسهل خروجهم منه بأقل مقدار من الخسائر. ما لا يمكن تجاهله أن إيران نفسها ليست بعيدة عن فكرة تقسيم العراق، خصوصاً أنه يمكن أن يؤدي إلى قيام إقليم جنوبي يدور في الفلك الإيراني، علماً بأن الأكثرية الساحقة للعراقيين الشيعة بدأت تدرك خطورة النفوذ الإيراني والأطماع الإيرانية وتتسلح بعراقيتها وعروبتها لمواجهة النفوذ والأطماع التي تهبّ من طهران. هناك تساؤلات حقيقية في ما يخص السياسة التي سيتبعها أوباما في العراق نفسه. الثابت أنه يريد الخروج منه عسكرياً في أسرع ما يمكن ولكن ليس بأي ثمن كان، وسيسعى في المقابل إلى التركيز على الوضع في كل من أفغانستان وباكستان. هناك شعور يتنامى في واشنطن بأن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تستمر وأن تحقق نجاحاً مادام الوضع في كل من أفغانستان وباكستان على حاله. أكثر من ذلك، هناك قناعة لدى غير مستشار لأوباما بأن باكستان هي القاعدة الخلفية لـ «القاعدة» وأن باكستان هي أساس المشكلة في أفغانستان.
بعد أسابيع قليلة، سيترتب على أوباما القيام بخياراته. شعارات الحملة الانتخابية شيء والواقع شيء آخر. سيكتشف كم أن المشاكل التي تركها له جورج بوش الابن كبيرة، أكان ذاك على الصعيد الاقتصادي أو على صعيد السياسة الخارجية، أي في العراق وإيران وأفغانستان وباكستان والشرق الأوسط عموماً وفي شأن كل ما له علاقة بالحرب على الإرهاب. كل ما يمكن قوله أن الرئيس الأميركي الجديد عرف كيف يتصرف، أقله إلى الآن، وعرف خصوصاً كيف يستعين بأفضل المستشارين وكيف يظهر، على العكس من بوش الابن، في مظهر من يسعى إلى الحوار بديلاً من المواجهة والقرارات المتسرعة. هل يساعده ذلك في أحداث التغيير المطلوب الذي وعد به الأميركيين؟ الأكيد أن الهبوط في أسعار النفط الذي طرأ في الوقت الذي كان فيه بوش الابن يودع البيت الأبيض سيساعده في مهمته. في النهاية، تبين أن الولايات المتحدة باقتصادها الضخم تتحكم بالاقتصاد العالمي وأن ما يصيبها يترك ندوباً في العالم كله. باتت العولمة حقيقة. ربما لهذا السبب وقف العالم في أكثريته مع أوباما ينشد التغيير في الولايات المتحدة. ربما هذه المرة الأولى في التاريخ الذي تثير فيه انتخابات الرئاسة الأميركية كل هذا الاهتمام العالمي. بدا كل فرد على الكرة الأرضية وكأنه يريد المشاركة في الانتخابات والإدلاء بصوته فيها، وذلك كي يقنع نفسه بأنه شريك في الانقلاب الذي حصل داخل القوة العظمى الوحيدة في العالم!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن