ساعة الامتحان لإدارة ترامب
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
06:39 ص
ترافق الاجتماع الذي انعقد بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في هامبورغ مع البيان الصادر عن وزير الخارجية الاميركي ركس تيلرسون عن سورية. كرّر تيلرسون ما كانت اعلنته إدارة باراك أوباما في مرحلة ما بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011، أي قبل ما يزيد على ست سنوات، عن ان الولايات المتحدة «لا ترى دوراً في المدى الطويل لعائلة الأسد او نظامه. اوضحنا ذلك للجميع. الأكيد أننا اوضحنا ذلك في النقاشات مع روسيا».
كان ملخص بيان تيلرسون ان «كيفية رحيل الأسد لم تتقرر بعد، لكنّ رأينا انّه في مرحلة ما من العملية السياسية، سيكون هناك انتقال (للسلطة) بعيداً عن عائلة الأسد». ما الذي يجعل وزير الخارجية الاميركي يقول هذا الكلام؟ هل من صفقة أميركية - روسية امكن التوصل اليها خلال التحضير لقمة هامبورغ؟
من السهل في ضوء هذا الكلام استنتاج انّ لا شيء تغيّر بالنسبة الى سورية، وان ترامب لا يزال مثل أوباما في حيرة من امره. كان أوباما يريد رحيل الأسد، لكنّه لم يفعل شيئاً من اجل تحقيق هذا الهدف. لكنّ معطيات أخرى تشير الى ان الامور بدأت تتبلور، خصوصا ان الرئيس الاميركي تطرّق الى امكان تغيير قواعد اللعبة انطلاقاً من الجنوب، من منطقة الحدود السورية مع كلّ من الأردن وإسرائيل. ستكون هناك منطقة آمنة في الجنوب السوري في ظل وجود خطوط عريضة لاتفاق أميركي - روسي - اردني، ليس معروفا كيف يمكن لإيران ان تقبل به.
مثل هذا الاتفاق الذي يضمن حماية الجنوب السوري من الاستخدامات الايرانية، لا يزال في حاجة الى الدخول في تفاصيله، خصوصا أن إسرائيل طرف غير مباشر فيه. تثبت إسرائيل، من خلال العلاقة الحميمة التي تربطها بروسيا ومن خلال التفاهم القائم مع الاميركيين ومن خلال ضربات جوّية تلجأ اليها بين حين وآخر، انّها اللاعب الأساسي في جنوب سورية حيث تحتل الجولان منذ العام 1967، منذ نصف القرن بالتمام والكمال.
من الواضح انّ هناك تغييرا في الموقف الاميركي، رغم انّ البيان الصادر عن تيلرسون لم يتطرّق الى الوجود الايراني في سورية وركّز في المقابل على إرهاب «داعش». مجرّد الكلام عن تغيير في جنوب سورية يشمل قيام «منطقة آمنة» او «منطقة عازلة» يمثل بداية لمعالجة مشكلة ضخمة اسمها الوجود الايراني، ان عبر ميليشات مذهبية مثل «حزب الله» اللبناني او عبر «الحرس الثوري» مباشرة.
في النهاية، سيكون التركيز الاساسي في المرحلة المقبلة على قيام تلك «المنطقة العازلة» التي يمكن ان تمتد الى ما بعد دمشق التي لا تبعد سوى 37 كيلومترا عن خطّ وقف النار قبل حرب 1967. في حال كان الاتفاق على «منطقة عازلة» عرضها 50 كيلومتراً، فمعنى ذلك ان على ايران وادواتها اخلاء دمشق أيضاً. هل توافق روسيا على ذلك؟ هل تمتلك روسيا ما تقنع به ايران بانّ وجودها في سورية يجب ان يتقلّص الى ابعد حدود؟ الاهمّ من ذلك كيف سيكون رد فعل ايران التي استثمرت في المحافظة على نظام الأسد مليارات الدولارات، إضافة الى انّها أمنت الحماية المباشرة له لسنوات طويلة. فعلت ذلك من منطلق مذهبي ومن منطلق ان الأراضي السورية جسر الى لبنان والى مناطق دويلة «حزب الله» بالذات.
بعد قمّة ترامب - بوتين والاعلان عن اتفاق أميركي - روسي - اردني في شأن الجنوب السوري، دخلت الازمة السورية مرحلة جديدة. شئنا ام ابينا، شاء النظام السوري الذي رفض منذ العام 1967 استعادة الجولان والمتاجرة به ان تتحول إسرائيل الى لاعب أساسي في سورية. باتت إسرائيل في سورية في وضع اقوى من ايّ وقت مضى، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار طبيعة العلاقات بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من جهة والتوجهات العامة لادارة ترامب من جهة أخرى.
ليس سرّا ان المطروح ليس كيفية خروج النظام السوري من دمشق. النظام انتهى منذ فترة طويلة، منذ صار في حاجة الى الميليشيات التابعة لإيران ثمّ لسلاح الجو الروسي كي يقول انّه لا يزال لديه وجود ما. السؤال كيف ستتعاطى الولايات المتحدة التي صارت تمتلك قوات على الأرض مع التعقيدات السورية والمعضلة الايرانية.
عاد التنسيق بين اميركا وروسيا في سورية، ولكن تبقى الأسئلة اكثر بكثير من الأجوبة. ليس معروفا كيف ستتأثر المناطق السورية الأخرى بالاتفاق المرتبط بالجنوب، خصوصا منطقة الحدود السورية - العراقية ومنطقة الحدود السورية - التركية. لا يقتصر الامر على رد الفعل الايراني وكيف ستعمل ايران كلّ ما تستطيع للبقاء في سورية ولابقاء الخط الذي يربط طهران ببغداد ثم دمشق وبيروت مفتوحا. هناك أيضا ردّ الفعل التركي والحساسية الزائدة لدى انقرة حيال الدعم الاميركي للاكراد والاتكال عليهم في الحرب على «داعش».
ما نشهده من تطورات في سورية، يفسّر الى حد كبير ذلك التركيز الايراني على لبنان في هذه المرحلة بالذات. يشمل هذا التركيز كل تلك المحاولات الهادفة الى حمل لبنان على التعاطي المباشر مع النظام السوري بحجة إعادة النازحين السوريين الى القرى والمدن والبلدات التي جرى تهجيرهم منها. تبحث ايران، عبر لبنان ووجود اكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري في اراضيه، الى جعل النظام السوري يستعيد شرعية ما واعتراف من اطراف دولية. فضلاً عن ذلك، تريد ايران تزويد جيش النظام السوري المنهار بعناصر سنّية، مصدرها لبنان. سيُرمى هؤلاء النازحون في حروب ومعارك. سيوضعون في الصفوف الامامية لتلقي الصدمة الاولى في هذه المواجهات العسكرية... وهذا سيرضي، الى حدّ كبير، الطائفة العلوية التي انهكتها الحرب التي يشنها النظام على شعبه منذ ست سنوات.
في ضوء القمّة الأميركية - الروسية ليس في الإمكان سوى التساؤل، هل من سياسة جديدة لادارة ترامب تجاه سورية؟ هل سيكون ترامب مختلفا عن سلفه؟ عاجلا ام آجلا سيظهر الفارق، كما قد لا يظهر. سيكون الامتحان قطع الطريق على الوجود الايراني في سورية. ساعة الامتحان تقترب. نقطة الانطلاق ستكون الجنوب السوري حيث ستنشأ «المنطق العازلة»، لا لشيء سوى لان إسرائيل تريد ذلك وتعتبر هذه المنطقة اكثر من ضرورية بالنسبة اليها.
ماذا عن مصير المناطق السورية الأخرى؟ من الصعب الإجابة عن مثل هذا السؤال باستثناء ان المرحلة المقبلة ستطرح تحديات عدة، على رأسها قطع الخط الممتد من طهران الى بيروت عبر العراق وسورية والضغوط التي ستمارسها ايران على لبنان وغير لبنان من اجل تأكيد ان «البدر الشيعي» حيّ يرزق.