| أ. د. وليد محمد عبدالله العلي |
إنَّ قول الله تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» يدلُّ على أنَّه لا يكون أحدٌ من أتباع الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم على الحقيقة: إلا إذا دعا إلى الله تعالى على بصيرةٍ، فمن لم يدع إلى الله تعالى على بصيرةٍ: فليس هُو في الحقيقة على سبيل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
والبصيرة التي يُدعى إلى الله تعالى عليها: هي الثَّبات في الدِّين. وثمرة هذه البصيرة: هي العبرة، فمن تبصَّر: اعتبر، ومن عدم العبرة: فكأنَّه لا بصيرة له.
والقُرآن الكريم: كُلُّه بصائر ودلائل وهدى وبيان، فهُو يقود إلى الحقِّ؛ ويهدي إلى الرُّشد.
فحصل من مجموع هذه القواعد الأربع كُلِّها: أنَّ أئمَّة الدِّين الذين يقتدي الدُّعاة بهم: هُم الذين جمعوا بين الصَّبر؛ واليقين؛ والدَّعوة إلى الله تعالى؛ وفق السُّنة والوحي لا بالآراء وبالبدع.
فالذين جمعوا هذه الأُصول الأربعة: هُم خُلفاء الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في أُمَّته، وهُم خاصَّته وأولياؤه، ومن عاداهم أو حاربهم: فقد عادى الله سُبحانه وآذنه بالحرب.
فأفضل الخلق وأعلاهم درجة عند الله تعالى يوم القيامة: هُم من استثناهم الله سُبحانه وتعالى من الخسارة الأبديَّة، قال تعالى: ?وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ?.
فأقسم الله سُبحانه وتعالى على خُسران نوع الإنسان؛ إلا من كمَّل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بوصيَّته له بهما مع الصَّبر على ذلك، ولهذا قال الإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى: «لو فكَّر النَّاس كُلُّهم في سُورة العصر لكفتهم».
فمجموع ما في السَّببيْن الأُوَّلِيَّيْن من الأسباب الأربعة التي رتَّب الله عليها نجاة الإنسان من الخُسر؛ في قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» فيهما الدِّلالة على العلم؛ الذي يُصلح ما بين الإنسان وبين الخالق، ومجموع ما في السَّببيْن الأُخريَّيْن من هذه الأسباب الأربعة؛ في قوله تعالى: «وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» فيهما الدِّلالة على العدل؛ الذي يُصلح ما بين الإنسان وبين الخلق.
ونجاة الإنسان: إنَّما هي بالاتِّصاف بهذيْن الوصفيْن، وخسارته إنَّما هي بالتَّعوُّض بكُلٍّ من الظُّلم عن العدل؛ والجهل عن العلم، كما قال الله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً».
فبمجموع هذيْن الأمريْن –وهُما العدل والعلم- يتحصَّل للإنسان: اللَّذة والنَّعيم وطيب العيْش؛ ويندفع بهما عنه أضداد ذلك.
وإنَّ مِمَّا ينبغي أن يعتني به كُلُّ إنسانٍ علماً ومعرفة وقصداً وإرادة أنْ يسعى فيما يُحصِّل له صلاحه، وهُذا يتضمَّن ستَّة أُمورٍ هي:
- إدراك الشَّيء النَّافع للعبد المُلائم له؛ الذي بحُصوله تتمُّ لذَّته ويكمل فرحه ويُسرُّ قلبه ويطيب عيشه.
- معرفة الطَّريق المُوصلة إلى هذه المعرفة.
- سُلوك تلك الطَّريق بعد معرفتها.
- تمييز الشَّيء الضَّارِّ المُؤذي؛ الذي يُنكِّد على العبد حياته.
- مُجانبة السُّبل التي إذا سلكها أفضت به إلى تلك الشُّرور.
- تجنُّب سُلوك هذه السُّبل.
فهذه ستَّة أُمورٍ؛ لا تتمُّ لذَّة العبد وسُروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها، وكُلُّ ما نقص من هذه الأُمور: فإنَّه يعود بسُوء حال العبد وتنكيد حياته؛ وفساد قلبه وجوارحه.
* أُستاذ الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويت
إمـام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت
[email protected]