خواطر صعلوك
على هامش الصداع!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
03:42 م
كاد رأسي ينفجر من أثر الصيام، فدخلت إلى الصيدلية وخرجت بمسكن... وقصة ومجموعة حقائق!
طوال عمله كصيدلاني خلال العشرين عاماً السابقة، خرج بقناعة مهمة أصبح يرددها مع زوجته وأبنائه وجيرانه في مناسباتهم المختلفة، حتى أنه في الفترة الأخيرة فكر أن يكتب كتاباً حول هذا الموضوع يكون عنوانه «المرض لا يُفرق بين الأغنياء والفقراء».
ورغم بساطة الفكرة ومنطقيتها في حدس الأطفال فضلاً عن الكبار، إلا أن مجموعة الاستشهادات والكثير من الحالات التي صرف لها الدواء شخصياً جعلته يعتقد أن هذه الحقيقة يجب أن تُقال دائماً وباستمرار، لكي يشعر الناس بالمساواة، وأنه لا أحد أفضل من أحد في أوجه معينة من الحياة.
ثم ينظر للأفق وهو يقول:
مشكلتنا أنه حتى العبارات المفهومة لا نتأمل فيها.
وبجانب هذه الحقيقة التي استغرقت منه عشرين عاماً خرج بنصيحة مهمة قالها لي شخصياً... «إذا كان هناك ما يمكن أن أنصحه للناس بعد هذا العمر فهو أن يشربوا لترين من الماء يومياً».
منذ أن كان طفلاً وحتى عبر مرحلة الكهولة كان دائماً يخرج بحقائق قليلة يسندها ويدعمها الكثير جداً من البراهين والأدلة.
ولقد لاحظ والده رحمه الله هذا الشيء عندما سأله بعد شهر من دخول المدرسة
- ما هو أجمل شيء في المدرسة يا حبيبي؟
- الإذاعة المدرسية أسوأ اختراع عرفته البشرية والمدرسة ينقصها الحياة. هكذا رد على والده.
وعندما أعاد والده عليه السؤال نفسه وهو في نهاية الثانوية العامة قائلاً
- ما شاء الله عليك، صرت رجال أد الشحط، كيف كانت رحلتك الدراسية؟
- الإذاعة المدرسية أسوأ اختراع عرفته البشرية، والمدرسة ينقصها الحياة.هكذا قال.
عندها أيقن والده، رحمه الله، أن ابنه لا ينتقل بين الحقائق بل يدعمها فقط.
وقد اعتقدت أمه يرحمها الله أنه مصاب بمرض عقلي ما يجعله لا يوسع عالمه، ولكنها سرعان ما تراجعت عن الفكرة عندما وجدته يبلي بلاء حسناً في كلية الصيدلة.
إن سيرة ذاتية لصيدلاني مثل هذا لا تشجع أي كائن طبيعي لأن يكمل مع هذا الرجل حديثاً حول الحقائق وأهميتها في الحياة.
ولكن بالنسبة لكائن فضولي مثلي فبالتأكيد أن الأمر لن يمر من دون أن أسأله حول الحقائق الأخرى المطلقة التي كونها عبر حياته، كما أن قميصه الأصفر الباهت ووجه المليء بالتجاعيد وما تبقى من شعيرات متماسكة في صلعته المائلة للون البني جعلني أشعر أنني سأسمع ما يصدمني... أو ما يعلمني شيئاً جديداً.
- ألا تشعر بالضيق من كونك لا تملك عدداً كبيراً من التفاصيل والأخبار والمعلومات؟
- وماذا أفعل بها... هناك مثل يوناني قديم يقول «الثعلب يملك معلومات كثيرة صغيرة، والقنفذ يملك معلومة واحدة كبيرة».
- هل من الممكن أن تعطيني حقيقة كبيرة أنشرها للقراء؟
- بكل سرور، خذ هذه الحقيقة... لن ينصلح حال هذه الأمة مالم تعد إلى الله.
- هل لي أن أعرف اسمك؟
- اسمي غريب جداً للدرجة التي جعلت السجل المدني يرفض أن يسجلني بهذا الاسم إلا بعد البقشيش... فهل تود معرفته حقاً؟
انفجرت ضحكاً وقلت له:لا... شكراً على وقتك أيها الرجل الطيب.
خرجت منكفئاً على نفسي لا أتذكر حتى الكيفية التي ودعت بها الرجل، حتى وصلت إلى السيارة، ومعي كيس دواء وشخصية مقال وحقيقة واحدة.
كاتب كويتي
moh1alatwan@