هَمَسَاتٌ رَمَضَانِيَّةٌ

1 يناير 1970 04:56 م
إنَّ علامات تعظيم المناهي: الحرص على التباعد من مظانِّها وأسبابها وما يدعو إليها، ومُجانبة كُلِّ وسيلةٍ تُقرِّب منها -حتَّى يدع ما لا بأس به: حذراً ممَّا به بأسٌ-، ومُجانبة من يجاهر بارتكابها ويُحسِّنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يُبالي ما ركب منها، فإنَّ مُخالطة مثل هذا: داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يُخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحُرماته.

ومن علامات تعظيم النَّهي: أن يغضب لله عزَّ وجلَّ إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حُزناً وكِسْرَة إذا عُصِيَ الله تعالى في أرضه؛ ولم يضلع بإقامة حدوده وأوامره؛ ولم يستطع هو أن يُغيِّر ذلك.

فحقيقة التَّعظيم للأمر والنَّهي: أن لا يُعارضا بترخُّصِ جافٍ؛ ولا يُعرَّضا لتشديدِ غالٍ، فإنَّ المقصود: هُو الصِّراط المُستقيم المُوصل إلى الله عزَّ وجلَّ بسالكه.

وما أمر الله عزَّ وجلَّ بأمرٍ إلا وللشَّيطان فيه نزغتان: إمَّا تقصيرٌ وتفريطٌ، وإمَّا إفراطٌ وغُلوٌّ، فلا يُبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنَّه يأتي إلى قلب العبد فيُشامُّه، فإن وجد فيه فُتوراً وتوانياً وترخيصاً: أخذه من هذه الخُطَّة فثبَّطه وأقعده وضربه بالكسل والتَّواني والفُتور وفتح له باب التَّأويلات والرَّجاء، وإن وجد عنده حرصاً وجداً وتشميراً: أمره بالاجتهاد الزَّائد وسوَّل له أن هذا لا يكفيك وهمَّتك فوق هذا وينبغي لك أن تزيد على العاملين، فيحمله على الغُلوِّ والمُجاوزة وتعدِّي الصِّراط المُستقيم: كما يحمل الأوَّل على التَّقصير دُونه وأن لا يقربه، ومقصوده من الرَّجلين: إخراجهما عن الصِّراط المُستقيم، هذا بأن لا يقربه ولا يدنو منه، وهذا بأن يُجاوزه ويتعدَّاه، وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجِي من ذلك إلا علمٌ راسخٌ وإيمانٌ؛ وقُوَّةٌ على مُحاربته ولُزوم الوسط، والله المُستعان.

ومن علامات تعظيم الأمر والنَّهي: أن لا يحمل الأمر على علَّة تُضعف الانقياد والتَّسليم لأمر الله عزَّ وجلَّ، بل يُسلِّم لأمر الله تعالى وحُكمه، مُمتثلاً ما أمر به؛ سواءٌ ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرَّع في أمره ونهيه: حمله ذلك على مزيد الانقياد والتَّسليم؛ ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه.

وإنَّ الله عزَّ وجلَّ شرع الصَّلوات الخمس: إقامة لذكره، واستعمالاً للقلب والجوارح واللِّسان في العُبوديَّة، وإعطاء كُلٍّ منها قسطه من العُبوديَّة -التي هي المقصود بخلق العبد-، فوُضعت الصَّلاة على أكمل مراتب العُبوديَّة، فإنَّ الله سُبحانه وتعالى خلق هذا الآدميَّ واختاره من بين سائر البريَّة، وجعل قلبه محلَّ كُنوزه من الإيمان والتَّوحيد والإخلاص والمحبَّة والحياء والتَّعظيم والمُراقبة، وجعل ثوابه إذا قدم عليه أكمل الثَّواب وأفضله وهو: النَّظر إلى وجهه؛ والفوز برضوانه؛ ومُجاورته في جنَّته.

وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشَّهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوِّه إبليس لا يفتر عنه، فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه فتميل نفسه معه، لأنَّه يدخل عليها بما تُحبُّ، فيتَّفق هُو ونفسه وهواه على العبد، ثلاثةٌ مُسلَّطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلةٌ مُنقادةٌ فلا يُمكنها إلا الانبعاث، فهذا شأن هذه الثَّلاثة وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا؛ وأين يمَّموا، هذا مقتضى حال العبد.

* أُستاذ الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويت

إمـام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت

[email protected]