هَمَسَاتٌ رَمَضَانِيَّةٌ

1 يناير 1970 03:41 م
إنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ تقومُ على أَرْبَعَةِ أركانٍ عظامٍ، لا يُتَصَوَّرُ بدونها قِيَامُ العِزَّة في نفسِ أحدٍ من الأنام: الصَّبر؛ والعفَّة؛ والشَّجاعة؛ والعدل.

فأمَّا الصَّبرُ: فهو خير ما تدثَّرَ به عزيزُ النفسِ من اللباس، لأنه يحملُه على كظمِ الغيظِ والعفوِ عن النَّاس.

وأما العفَّة: فهي أبهى ما توشَّح به عزيزُ النَّفسِ من الكساء، لأنَّها تحملُهُ على الفضيلةِ والحياء، وتمنعُهُ من الرَّذيلةِ والفحشاء.

وأما الشَّجاعة: فتحملك على معالي الأخلاقِ مع الورى، فتبذلُ لهم النَّدى، وتكفُّ عنهم الأذى.

وأما العدل: فيحملُكَ على اعتدالِ أخلاقِكَ في كلِّ نَمَطٍ من الأنماط، فتتوسَّطُ بين طَرَفَيِ التَّفريطِ والإفراط، فشجاعةُ عزيزِ النَّفسِ وسطٌ بين المُتهوِّرِ والجبانِ، وحِلْمُ عزيزِ النَّفسِ وسطٌ بين المُغَاضِبِ والمُهَان.

والله تعالى قد أخبر عباده في كِتَابِهِ المُبِين: بأنَّه عَزِيزٌ له العِزَّةُ التَّامَّةُ الكاملةُ على العَالَمِين، فله جلَّ جلالُهُ عِزَّةُ القُوَّةِ وعِزَّةُ القُدرةِ وعِزَّةُ القَهْر المُسْتَلْزِمَةُ لإفرادِه بالتَّوحيد، وتنزيهِهِ عنِ الشِّركِ والتَّنديد.

وقد بعث اللهُ تعالى أكملَ أنبيائِهِ المُرْسَلَةِ، وأيَّدهُ بأَنْ أَوْحَى إليهِ أفضلَ كُتُبِه المُنزلة، وذاك الإرسالُ وهذا الإنزالُ؛ محفوفانِ بالعزَّةِ والإجلالِ، استجابةً لدعاءِ الخليلِ وابنِهِ إسماعيلَ؛ عليهما الصلاةُ والسَّلامُ والتَّبجيلُ: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ».

فمن رامَ العِزَّةَ فعليهِ أنْ يأخذَ بأسبابِها، وأن يُطيلَ الوقوفَ على أبوابِها، فمنْ ذلك: أن يعتزَّ المرءُ بانتسابِه إلى هذا الدِّين، الذي ارتضاه اللهُ تعالى للعالمين، فقدْ أخرجَ الحَاكِمُ عَنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ رحمهُ اللهُ تعالى قالَ: (خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه إلى الشَّامِ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجرَّاحِ، فَأَتَوا عَلَى مَخَاضَةٍ؛ وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ عنها وَخَلَعَ خُفَّيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بها المَخَاضَة، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنْتَ تَفْعَلُ هذا؟ تَخْلَعُ خُفَّيْكَ؛ وتضعهما على عاتقك؛ وتأخذ بزمام ناقتك؛ وتخوض بها المخاضة! مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهْلَ البَلَدِ اسْتَشْرَفُوكَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَّهْ، لَوْ يَقُلْ ذَا غَيْرُكَ أَبَا عُبَيْدَةَ جَعَلْتُهُ نَكَالاً لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ، فَأَعَزَّنَا اللهُ بالإسلامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبِ العِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ: أَذَلَّنَا اللهُ). ومصداقُ كلامِ أميرِ المؤمنين؛ في قولِ ربِّ العالمين: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا».

فَهَلْ أعزَّ نَفْسَهُ من ارْتَضَى لها غَيْرَ هَذا الدِّين، وتَنَكَّبَ أَخْلاقَ مِلَّتِهِ وآدابَ شَرْعِهِ المَكِينِ؟ لا جَرَمَ أنَّ الذين طَلَبُوا العِزَّةَ بِغَيْرِ عزِّ الدِّينِ المَتينِ: «إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ». وَصَدَقَ اللهُ ربُّ العَالَمِينَ؛ إذْ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ الكِتَابِ المُبِينِ: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ».

فكيف يسوغ لأحدٍ مِنَ المُسْلِمِين، وقد أعزَّهُ الله ببعثةِ خاتمِ النَّبيِّين؛ صلَّى وسلَّم عليه ربُّ العالمين: أن يبتغي العزَّةَ من أعدائِه الكافرين؟ فكيف يسوغ له ذلك وهو يقرأ هذه الآيةِ التي نزلَ بها الرُّوحُ الأمين، على قلبِ النَّبيِّ ليكونَ من المُنذرين: «الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا».

اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من الخير كُلِّه؛ عاجله وآجله؛ ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه؛ عاجله وآجله؛ ما علمنا منه وما لم نعلم، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من خير ما سألك عبدك ونبيُّك صلَّى الله عليه وسلَّم، ونعوذ بك من شرِّ ما عاذ به عبدك ونبيُّك صلَّى الله عليه وسلَّم،.

* أُستاذ الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويت

إمـام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت

[email protected]