خواطر صعلوك
سريالية صائم... ينتظر الطعام!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
06:48 م
لاحظ أبو محمد أن الأزرار الوسطى للدشداشة كانت مفتوحة، بالتحديد الثاني والثالث، واستغرب جداً كيف أن أحداً لم ينبهه لذلك رغم أنه التقى أكثر من خمسة عشر شخصا قبل أن يصل إلى مكتبه!
قال: كيف لم ينبهني ذلك الأبله الذي أشار إلى أناقتي اليوم؟!
ما إن جلس على كرسيه ملتقطاً أنفاسه حتى شعر بجفاف في حلقه وتذكر أن جاره أباعبدالله الذي ألقى عليه التحية اليوم صباحاً قائلاً: صبحك الله بالخير يا أبا محمد، مبارك عليك الشهر، قد شاهده عن قرب، ورغم ذلك لم يشر إلى أزراره المفتوحة، ولكنه شعر بالراحة النفسية عندما لاحظ أنه أيضاً لم يشر إلى جاره أن ابنه عبدالله كان يدخن بالقرب من فرع الجمعية بالأمس.
بعد فترة من التحديق في «سبنر» كان على سطح مكتبه تساءل حول أهمية كوننا نجهل الكثير من وظيفة أدوات نستخدمها، ولكن هذا السؤال لم يكن ذا أهمية كبيرة بالنسبة له لكي يشارك فيه أحد الزملاء الذي دخل للتو ملقياً التحية بلا مبالاة من دون أن ينظر أحدهما للآخر.
ينغمس كلاهما في الهاتف غارقين في الواقع الافتراضي متابعين للهشتاقات المحلية التي أصبحت عالمية.
يشاهد فيديو حديثاً لحريق غابة برازيلية وآخر قديماً لرجل يحاول الانتحار من الطابق الثاني، بينما رجال الإطفاء والإسعاف في انتظاره بالأسفل... يطلق ضحكة هستيرية عندما لاحظ أن المنتحر هو أحد جيرانه، وأن نافذة سكنه تبدو واضحة في الفيديو... يفكر كيف أنظف الغبار الذي يعتلي جوانب النافذة، لماذا نحن الذين نتلاشى والغبارهو ما يبقى؟
في الظهيرة أثناء عودته إلى المنزل، وعند الإشارة المزدحمة دائماً، لاحظ أن الباب الأمامي للسيارة التي أمامه يتدلى منها جزء كبير من عباءة امرأة مسنة... مر بجانبها من دون أن يبدي رغبة في أن يشير لها بيديه إلى أن عباءتها تزحف في الشارع.
ثم لاحظ أيضاً أنه لا أحد أبدى تلك الرغبة في المساعدة لامرأة تتدلى عباءتها من السيارة في الشارع.
وفي الشارع أمام المنزل دار هذا النقاش:
- مساك الله بالخير يا أبا محمد
- مساك الله بالنور يا أبا عبدالله
ثم بدأ أبو عبدالله يحكي له كيف أن زجاجة الماء التي اعتاد أن يشرب منها من الثلاجة قبل رمضان قد اختفت وأن أم عبدالله والأولاد والخادمة أقسموا بالله أنهم لم يروها منذ ثلاثة أيام على الأقل! ثم فرك رأسه ونظر في الفراغ.
وبدا على أبي عبدالله أنه كان يريد أن يقول شيئاً، ولكنه فضّل الصمت. وتمنى كل جار للآخر يوماً سعيداً، من دون أن يلاحظ أبومحمد أن جاره أبا عبدالله كان حافي القدمين وهو عائد من المسجد.
توجه أبو محمد للباب ولاحظ أن الزرعة الصغيرة التي يحتفظ بها على اعتبار أنها حديقة شقته لم تسق بالماء منذ الصباح حتى جفت تربتها وذبلت بعض أوراقها...قال في نفسه على الأغبياء أن يعلموا أن النباتات لا تصوم.
دخل غرفته ولاحظ أنه لم يغلق أزرار دشداشته منذ الصباح حتى الآن... أطلق نفخة في الهواء أزاحت الكرة الأرضية من مكانها.
فك الأزرار المتبقية... خلع ملابسه كلها... كلها من دون أن يبقي عليه قطعة واحدة وخرج عارياً إلى الشارع... سقى الزرعة بطريقة لا تليق لا بالزراعة ولا بإنسان وتوجه إلى بيت أبي عبدالله... طرق الباب.
- وين بابا؟
- الخادمة تصرخ متجهة للداخل و أبو عبدالله يخرج في ذهول وهو يحملق عسى ما شر يا أبا محمد؟
- ولدك أمس كان يدخن بالجمعية.
- مشكور على حرصك.
- ألا تريد أن تلفت انتباهي إلى شيء؟
- لا والله... ماكو شيء محدد... والنعم فيك.
نظر كل منهما للآخر، وكأن أبا عبدالله كان يريد أن يقول شيئاً ولكنه فضّل الصمت.
أغلق أبو عبدالله الباب... وانصرف أبو محمد لبيته على خلفية مدفع الإفطار.
***
لست مغفلاً لكي أختم هذه القصة بمطالبات مثل عليكم أن تكونوا أكثر يقظةً وانتباهاً لما يدور حولكم، وأن تتكلموا مع بعضكم البعض فأنا أعلم أن كل شيء حولك قد جعلك تفقد تركيزك في ما يتعلق بك، لتبحث في ما يتعلق بهم... عوالم افتراضية وسياسة حكومية جعلتنا نتابع مسيرة التنمية ونحن نقف متزاحمين على الرصيف من دون أن يلاحظ أحدنا الآخر.
عموماً كل عام وأنتم بخير.
كاتب كويتي
moh1alatwan@