لم يكن أمام الإيرانيين سوى الرهان على روحاني
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
06:41 ص
لم تكن عودة حسن روحاني رئيساً لـ «الجمهورية الإسلامية» سوى مشهد آخر من المشاهد المتكررة التي عفى عليها الزمن والتي تحاول إظهار إيران بأنّها دولة ديموقراطية لديها نموذج تقدّمه إلى العالم وإلى محيطها. الأمر الوحيد الثابت أنّه ليس معروفاً إلى متى يمكن أن يستمرّ هذا التحايل على الواقع. يقول الواقع المدعوم بالإثباتات، بما في ذلك طريقة الترشّح لانتخابات الرئاسة ولأيّ انتخابات أخرى، أن إيران بلد يتحكّم به مجموعة من رجال الدين ضيقي الأفق. هؤلاء يستفيدون في تحكّمهم برقاب المواطنين من نظام متخلّف يلغي الحرّيات ويحول دون أي ديموقراطية حقيقية حلم بها أولئك الذين نزلوا إلى الشارع من أجل التخلّص من نظام الشاه قبل نحو أربعة عقود.
هل يغيّر فوز روحاني على منافسه إبراهيم رئيسي شيئاً في السلوك الإيراني؟ لن يتغيّر شيء ما دام رئيس الجمهورية في إيران مجرّد واجهة، فيما السلطة الحقيقية في مكان آخر.
على الرغم من ذلك، يعكس فوز روحاني على منافسه «المتشدّد» توقاً لدى الشعب الإيراني إلى التخلّص من نظام يتحكّم به رجال دين، في حال هروب مستمرّة إلى خارج إيران. يظن هؤلاء أن في استطاعة إيران لعب دور القوّة الإقليمية المهيمنة معتمدين خصوصاً على ثلاثة عوامل. هذه العوامل هي إثارة الغرائز المذهبية وإيجاد اختراقات في المجتمعات العربية التي ولدت فيها ميليشيات مذهبية تعمل بأوامر من طهران... واستغلال للسذاجة الأميركية في معظم الأحيان.
ربّما لا يصحّ الكلام عن سذاجة أميركية بمقدار ما انّه يمكن الكلام عن سياسة أميركية تقليدية تقوم على جعل المنطقة في خوف دائم من الخطر الإيراني. وهذا الخطر حقيقي إلى حدّ كبير. الدليل على ذلك ما تفعله إيران في العراق وسورية ولبنان واليمن والكلام الوقح لمسؤولين إيرانيين عن السيطرة على أربع عواصم عربية وعن الوجود الإيراني على البحر المتوسط.
ليس صعباً الخروج باستنتاج فحواه أن روحاني كان رئيساً غير موفق في ولايته الأولى وان نجاحه الوحيد كان في الوصول إلى الاتفاق في شأن الملف النووي الإيراني مع مجموعة (الخمسة زائد واحد) وهي البلدان الخمسة التي تمتلك عضوية دائمة في مجلس الأمن زائد ألمانيا صيف العام 2015. كان ذلك حدثاً مهمّاً على صعيد إطلاق يد إيران في المنطقة من أجل التوصّل إلى الاتفاق في شأن الملف النووي، الذي كان في الواقع اتفاقاً أميركياً ـ إيرانياً وليس اتفاقاً بين إيران والمجتمع الدولي، غطت إدارة باراك أوباما المشاركة الإيرانية في الحرب على الشعب السوري الذي انتفض من أجل استعادة بعض من الكرامة. استغلّ «الحرس الثوري» والذين يقفون خلفه موقف إدارة أوباما إلى أبعد حدود، فيما كان جواد ظريف، وزير الخارجية، يتبادل المجاملات والابتسامات والنكات مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في هذه المدينة الأوروبية أو تلك.
كان المتشددون في إيران، على رأسهم «الحرس الثوري» بقيادة «المرشد» علي خامنئي الرابح الأوّل من وجود روحاني وفريقه الذي يضمّ محمّد جواد ظريف في واجهة السلطة، ولو شكلاً في المقابل، لم يستطع رئيس الجمهورية الذي انتخب في 2013 تحقيق وعوده للإيرانيين، وهي وعود قائمة أوّلاً وأخيراً على الاستفادة من الاتفاق النووي لرفع العقوبات الدولية عن البلد. صحيح انّ إدارة أوباما بعثت بكميات كبيرة من الأموال النقدية إلى النظام الإيراني، مبرّرة ذلك بحجج مختلفة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ شيئاً لم يتغيّر في العمق باستثناء أن هناك انكشافاً للنظام الإيراني أمام الإيرانيين أوّلاً. أدرك المواطن الإيراني أخيراً أن النظام القائم لا يستطيع حلّ أي مشكلة تخصّه، كما أنّه عاجز كلّ العجز عن الدخول في مغامرة عودة إيران دولة طبيعية من دول المنطقة.
تبيّن بوضوح ليس بعده وضوح، وبلغة الأرقام، أن الفقر زاد في إيران وأن ليس لدى النظام ما يقدّمه لا للإيرانيين ولا لمحيطه غير الشعارات والتعبئة المذهبية والروح العدوانية ونشر الجهل والبؤس في عالم يشهد ثورة تكنولوجية. تجعل هذه الثورة الهوة بين العالم المتقدّم والعالم الذي يعيش فيه النظام الإيراني تتسع بشكل يومي، خصوصاً أن إيران بقيت أكثر من أيّ وقت أسيرة سعر النفط والغاز.
في البقاء في أسر سعر النفط والغاز يكمن الفشل الأكبر للنظام الإيراني. هذا الفشل جعل الإيرانيين، بأكثريتهم، يراهنون مرّة أخرى على حسن روحاني العاجز عن الذهاب في أي رحلة حقيقية إلى دول الجوار والعالم، رحلة تصبّ في البحث عن المصالح المشتركة وفي كيفية تغيير السلوك الإيراني القائم على العدوانية والتوسّع.
بعد نحو أربعة عقود على الانقلاب على شاه إيران، لم يتحقّق شيء مما وعد به مؤسس «الجمهورية الإسلامية» آيه الله الخميني. لم تستطع إيران تنويع اقتصادها. لم تستغن عن تصدير النفط والغاز على الرغم من كلّ الثروات الكبيرة التي تمتلكها. هذا كلّ ما في الأمر. على الرغم من ذلك، لم يجد الإيرانيون أمامهم سوى التصويت لروحاني وذلك في وقت كان عليهم الاختيار بين السيئ والأسوأ. لن يحصل التغيير الكبير في إيران سوى بعد موت خامنئي. متى يحصل ذلك؟ العلم عند الله، عز وجل، وليس عند أحد غيره. في الانتظار، ليس في الإمكان إلّا ملاحظة أن العوامل التي كانت في أساس الدور الإيراني في المنطقة تراجعت، أقلّه لسببين. الأوّل وجود وعي عربي عميق لمدى خطورة المشروع التوسّعي لـ «الجمهورية الإسلامية» والآخر أن رجال الإدارة الأميركية الجديدة، بغض النظر عن المشاكل الكبيرة التي يعاني منها دونالد ترامب، يدركون أن عملية لعب الورقة الإيرانية استنفدت الغرض المطلوب وأنّه آن أوان الجدّ... وليس تبادل النكات والابتسامات. هناك إدراك أميركي للتحوّل الإقليمي الذي نتج عن الخلل الكبير في التوازن الذي حصل بمجرّد تسليم إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة إلى إيران في العام 2003. هذا هو جديد المنطقة وهذا ساهم في جعل الإيرانيين يراهنون مرّة أخرى على روحاني كبديل موقت في منطقة تبدو مقبلة على تطورات كبيرة.
لم يعد العرب يعتمدون الصمت في وجه التهديدات الإيرانية ومن الواضح أنّهم غير مستعدين للسقوط في فخّ المزايدات الذي صبته لهم إيران عندما خطفت القضية الفلسطينية وضحكت على الفلسطينيين وأقنعتهم بأن العمليات الانتحارية تستطيع أن تأتي لهم بدولة.
عاد روحاني أو لم يعد. يظلّ السؤال في النهاية متى تعود إيران التي أعادت انتخابه لا لشيء سوى لأنّه يمكن أن يكون بديلاً من خامنئي في مرحلة معيّنة لا أكثر ولا أقلّ.