خواطر صعلوك

السوبرمان... يوسف زيدان

1 يناير 1970 08:46 م
لا أدري ما الذي يجعل مثقفاً محترماً مثل يوسف زيدان يفتح كتب التاريخ وهو يدعو الله قائلاً «اللهم لا تجمعنا على قلب رجل واحد»، ثم يمسك صلاح الدين الأيوبي من تلابيبه ويصرخ فيه قائلاً «أنت مش حلو... أنت كُخة»، وذلك بعد مدة من إحضاره (بلدوزر) على شاشة التلفاز ليحرك المسجد الأقصى من فلسطين إلى طريق الجعرانة بين مكة والطائف مدعياً أن المسجد الأقصى ليس الذي في فلسطين بأدوات قياس لا تستطيع أن تحرك المذيع الذي أمامه من مكانه، فضلاً عن أن تحرك الأقصى ذاته، ثم يخرج علينا مرة أخرى ليخلع المعراج ويثبت الإسراء بحرص مثقف نجار يريد أن يركب جمله وكلماته كمانشيتات صحافية.

أبشرك يا دكتور فإنه لم يتبقَ لك سوى ثلاث معلومات غريبة حول التاريخ الإسلامي وتدخل السحب على كرسي اليونسيكو وجائزة نوبل.. أو في الحد الأدنى تدخل السحب على كرسي وزارة الثقافة.

إذا كان من حقك كباحث وروائي أن تستلهم الخيال في أبحاثك، وتتقمص دور المستشرق المُنكر على العرب رعيهم الأغنام في بداية التاريخ ثم انتقالهم لرعي المسابقات الثقافية والاقتصاد في بداية الألفية الثالثة، فمن حقنا أيضاً أن نعتقد أنك مهووس بالمعلومة الشاذة في التاريخ والتي ينقصها الإتقان والإلمام بأطراف الموضوع بدلاً من الإلمام بمواقع كاميرات الاستديو، للدرجة التي تجعلك تردد معلومات يفرح بها مراهق في برنامج يشاهده الملايين، رغم أن مثل هذه الأمور يحتاج التفكير فيها سنوات فضلاً عن التصريح بها في لقاء.

لا أحمل ضغينة ضدك، فقد أحببتك عبر الرواية والقصص، ولكني لم أستلطفك عبر التلفزيون واليوتيوب بسبب ركضك عبر صفحات التاريخ الإسلامي كصحافي مطلوب منه مادة قبل نزول العدد.

أنت يا دكتور ينقصك الإتقان في بحوثك، والتواضع عندما تتكلم عن الآخرين، حتى (سبونج بوب) سيبصم بالعشرة على أنك متهور عندما يتعلق الأمر بالكلام عن مَن يخالفونك الرأي.

صحيح أنك تجيد الغوص في التراث، ولكنك لا تملك الحكمة في التعامل معه، فأنا الشاب الطائش والعائش على الهامش، وربما كنت بعمر أبنائك لا أرى أنه من الحكمة أن أقول «إن صلاح الدين الأيوبي من أحقر شخصيات التاريخ الإنساني»، لأني أعلم كما أنت تعلم أيضاً أن قراءة بعض الفقرات عن شخص ما ربما تجعلنا نعيد النظر في الكيفية التي تصنع بها الأسطورة عندما توضع على الورق، ولكنها لا تجعلنا أبداً متأكدين من أننا أبطال هذه الأسطورة للدرجة التي تجعلنا ننعت صاحبها الذي يحترمه ويقدره ملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بوصف مثل هذا.

عليك أن تكون أكثر احترافاً في سلق البيض، وألا تخطو مسلك السيد توفيق عكاشة في الإعلام، لكي لا يتم اعتبارك توفيق عكاشة المثقفين!

حسناً يا سيدي... فإن هذا المقال أيضاً سلق بيض، إن كان هذا يريحك أو يريح محبوك الذين (يبغبغون) آناء الليل وأطراف النهار بأسئلة مفخمة بالألفاظ لترد عليها أنت بإجابات مفخخة بزخرف القول الذي ينقش على الماء ولا دوام أو فائدة منه.

ولكن كان ينبغي عليك فضلاً لا أمراً أن تعلم أن خرق قلب امرأة جميلة في رواية عزازيل يعتمد على الاستلهام والخيال، ولكن خرق إجماع أمة بكاملها في ما يتعلق بالمسجد الأقصى يحتاج إلى دراسة وإتقان.

أنت تجيد الفلسفة عندما تتكلم عن جلال الدين الرومي، ولكنك لا تجيد الإنصاف عندما تتكلم عن صلاح الدين الأيوبي، ولي صديق من جماعة الإخوان لا أثق برأيه كثيراً يعتقد أن السبب في ذلك أن كل الطباخين وسالقي البيض من المثقفين الذين يطلبون السلامة والجلوس على الموائد ومداهنة الصهاينة، يحبون (الرومي) لأنه يشبع البطن، أما في محاربة الاستبداد فينتقلون من نزاع الواقع إلى النزاع مع التاريخ عبر الأيوبي!

ولكني أوقفته عن مثل هذا الكلام الذي لا يليق بباحث مثلك، باحث عن الشهرة رغم أنه مشهور، وباحث عن الثروة رغم أنه مستور.

دكتور يوسف زيدان لن أستطيع أن أدافع عنك كثيراً خصوصاً وأنك تشتري لهو الحديث وتجعل منه صيغة أكاديمية جادة... لذلك (قرب شوي) لو سمحت واسمع من ابنك الصغير هذه النصيحة!

قرأت ذات مرة أن الفضل لاكتشاف كوبرنيكس حركة الأجرام السماوية يعود لخاله حيث إنه كان ذا نفوذ جبار في الدولة، وقرأت أيضاً أن نيوتن كان وزير المالية (دار سك العملة) في إنجلترا قبل أن يكتشف قوانين الجاذبية، وأنه أرسل العديد من الأبرياء لحبل المشنقة، وقرأت أن الدكتور يوسف زيدان سرق روايته عزازيل من رواية «أعداء جدد بوجه قديم» لتشارلز كينغسلي، أما الحبكة فلإمبيرتو إيكو الفضل فيها، ورغم ذلك فحداثة سني لا تجعلني أصرح بأن كوبرنيكس اكتشف الأجرام (بالكوسة) والواسطة، وأن نيوتن اكتشف قوانينه من الأرشيف الحكومي، وأن يوسف زيدان هو (أكبر حرامي حبكة روائية في التاريخ الإنساني).

لا يا دكتور... فما هكذا تورد الإبل، فأنت أكاديمي متعلم (بتاع) فلسفة وتنوير وتعلم جيداً أن هناك فرقاً بين التنوير وبين التزوير.

وتقبل تحياتي من أرض الصداقة والسلام الموقوفة رياضياً، ولكن مازال فيها قلب ينبض.

كاتب كويتي

moh1alatwan@