خواطر تقرع الأجراس / قل و... قل
| مصطفى سليمان* |
1 يناير 1970
02:06 ص
قل: أخفق في الامتحان. وقل: فشِل فيه.
قالوا: لا تقل فشِل في الامتحان. بل قل: أخفق فيه؛ فالفعل فشِل يفشَل في معاجمنا القديمة كلها لا يدل على الإخفاق في الشيء. نقول: فشِل في القتال، أو في الحرب وفي الشدَّة فشَلاً أي: كسِلَ، وضعُفَ، وتراخى، وجبُنَ، وذهبت قوّتُه. وفي القرآن الكريم: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحُكم». وفشِل عن الأمر: همَّ به ثم نكَل عنه. فهو فشِلُ والجمع أفشالٌ.
والناس (العامة، والكُتّاب) يقولون: هذا فاشل. ولا يقولون هذا فشِلٌ، رغم صوابه.
المعجم الوسيط رضخ للناس وكُتّابهم، واعترف بشرعية الفعل (فشَل) وقال: (مَجمعية). وقد أثبتت المجامع الحديثة الفعل فشِل بمعنى أخفق،. حسناً فعلتم يا سَدَنة اللغة. لكن لماذا لم تضيفوا: فهو فاشل، إلى قولكم: فهو فشِلٌ؟ هل يقول الناس وكُتّابهم: هذا الطالب فشِلٌ؟ ألا نقول من وزن الفعل نفسه: يئِس، ييْأَس (مثل فشِل يفشَل): هو يَئِسٌ ويائسٌ؟ فلماذا لا نقول، مثلاً: الحاكم فاشلٌ في الإصلاح؟ كما نقول: الشعب يائسٌ من الإصلاح، وهو يئِسٌ من الوعود الكاذبة؟
ستفشلون في معاجمكم، ومجامعكم إذا لم تسايروا روح اللغة، وأذواق الناس والكُتّاب معاً.
فلندقِّقْ قليلاً في شروحات المعاجم لمادة (فشل) كما عرضناها؛ ألا تنطبق هذه الشروح على معنى الفشل كما يستعمله أبناء اللغة؟ ألا نعتبر الطالبَ، الذي كسِل وتراخى في تحصيله فضعُفَ وذهبت قوتُه «الذهنية» فلم ينجح، مخفِقاً، وفشِلاً، وفاشلاً؟ أليس الامتحان شدةً وحرباً؟ أليس الطالب الفاشل هنا قد جبُنَ في مواجهة التحدي؟
نقول: هَمَّ الحاكم بتطبيق الإصلاحات والحريات العامة، ثم نكَلَ عنها؛ أي تراجع ونكث بوعوده.
إذاً، أضيفوا إلى شروحكم الحديثة، بعد نَكَل عنها: «... أخفق، وفشِل فيها».
هل شروح القدماء كتاباً مقدساً منزَّلاً فلا نضيف إليها بياناً يُغْني المعنى، وهو من روح اللغة نفسها؟ دوِّنوا شروحاً جديدة تتماشى مع عصرنا، كما دوَّنوا هم شروحهم متماشين مع عصرهم؛ فلم تكن الشروح منزَّلة من السماء، بل اجتهاد علماء لغة مع السماع من الناس!
ووجدت في لسان العرب في تفصيلات مادة (فشَشَ): «الانفتاش هو الانكسار عن الشيء، والفشل». فبالله عليكم، فسّروا لي معنى «الفشل» هنا!
ولو دقَّقنا في معنى الفعل شلَّ، واليد المشلولة، وهذا أشلّ... لوجدنا معنى التيبُّس والتعطُّل عن العمل. أليس الحاكم الفاشل في الإصلاح، كالطالب الفاشل في الامتحان، وكالمقاتل الفاشل في الحرب؟ كلهم في حالة واحدة من (الانفتاش، والشلل، وبالتالي الفشل) وضعفِ الإرادة، والجبنِ عن تنفيذ العمل؟ فالحاكم الفاشل إرادتُه مشلولة، والطالب الفاشل قوةُ ذهنه مشلوله، والمقاتل الفاشل همَّتُه، ويده مشلولتان.
فيا سدَنة اللغة، لا تقعوا في «الانفتاش»!
* شاعر وناقد سوري