إضاعة الفرص ... هواية وطنية لبنانية
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
07:45 ص
أن يتلهى اللبنانيون بأوضاعهم الداخلية شيء والسعي الى رؤية الصورة الأكبر، أي ما تشهده سورية والاقليم كلّه شيء آخر. صارت إضاعة الوقت وتفويت الفرص هواية وطنية منذ غرق اللبنانيون في أواخر ستينات القرن الماضي في حروبهم الداخلية وحروب الآخرين على ارضهم. لم يتبلور، للأسف الشديد، لدى معظم القيادات السياسية اللبنانية ولدى المواطنين العاديين فهم يسمح بالربط بين ما يجري في الداخل من جهة وما يدور في الشرق الاوسط من جهة أخرى.
على سبيل المثال وليس الحصر، لم تستوعب معظم القيادات المسيحية والاسلامية معنى بقاء لبنان خارج حرب العام 1967 وكيف المحافظة على هذا الإنجاز بدل الذهاب في لعبة الحلف الثلاثي المسيحي الذي انجرّ اليه شخص يرمز الى الاعتدال والحكمة والتعقل مثل ريمون ادّه. صحيح انّه كانت لرئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون حسابات ذات طابع شخصي كان يريد تصفيتها مع «الشهابية» التي سعت الى الغائه، لكن الصحيح أيضاً انّه لم يكن منطقيا أن يخرج حزب «الكتائب» من تحت «عباءة الشهابية» بعدما كان من أعمدة النهج الذي خطّه رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب بعد العام 1958. قام هذا النهج على بناء مؤسسات حديثة لدولة لبنانية تأخذ في الاعتبار الحاجة الى العدالة الاجتماعية والتنمية التي تشمل كلّ المناطق.
أخذ نهج فؤاد شهاب في الحسبان صعود «الناصرية»، نسبة الى جمال عبد الناصر الذي مثّل ظاهرة مخيفة مهّدت لتولي حزب «البعث» السلطة في سورية والعراق، بل في العراق قبل سورية، في مرحلة بدء توريط المنطقة في هزيمة 1967 وإغراقها في بحر المزايدات والشعارات الفارغة التي أوصلت العراق وسورية الى ما وصلا اليه الآن.
غابت عن القيادات اللبنانية، في معظمها، تلك الثقافة التي كانت تسمح بالربط بين الداخلي والإقليمي. زاد غياب هذه الثقافة مع مرحلة ما بعد 1967 وتركيز النظام السوري، حيث كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع، على نقل المسلّحين الفلسطينيين الى لبنان وكأنّ الهدف الواضح للأسد الأب كان يتمثّل في الانتقام من لبنان تعويضاً عن خسارة سورية، هضبة الجولان... أو تسليمها لها في ظروف لا بدّ ان تتكشّف يوماً.
زاد العجز عن فهم المعادلة الإقليمية وكيف يمكن أن يذهب لبنان ضحيّتها تدفق المقاتلين الفلسطينيين على جنوب لبنان وعلى المخيمات المنتشرة في كلّ المناطق واضطرار لبنان الى توقيع «اتفاق القاهرة» المشؤوم العام 1969 بسبب عوامل عدّة. من بين هذه العوامل الضغوط الذي مارسها الشارع السنّي على رئيس الجمهورية الراحل شارل حلو، وكان رئيسا ضعيفا. كان رأس الحربة في هذه الضغوط رئيس الوزراء الراحل رشيد كرامي الذي لم يقدّر خطورة التنازل عن السيادة على جزء من الأرض اللبنانية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لم يقف سوى زعيم مسيحي واحد، هو ريمون ادّه ضدّ اتفاق القاهرة. كان اده من طينة مختلفة عن الزعماء الموارنة. لم يكن مستعداً للتنازل عن أيّ من المبادئ التي يؤمن بها من أجل رئاسة الجمهورية. لم يكن في حاجة الى رئاسة الجمهورية كي يصبح شيئا وكي يدخل افراد عائلته عالم المال والاعمال والصفقات... كان فوق ذلك كلّه. لذلك لم يقل الشيء وضدّه في اقلّ من اربع وعشرين ساعة. رفض كلّ العروض التي قدّمت له حفاظا على سمعته أوّلاً وعلى إراحة ضميره ثانياً وأخيراً.
زاد العجز اكثر عن فهم المعادلة الإقليمية عند معظم الزعماء اللبنانيين عندما استولى حافظ الأسد على السلطة كلّها في سورية ابتداء من خريف العام 1970. لم يستوعب سوى قليلين الى أيّ حد كان الأسد الأب مستعدا للذهاب في لعبة تدمير لبنان، خصوصا بعد حرب أكتوبر 1973، مستخدما المسلّحين الفلسطينيين والميليشيات المسيحية اللبنانية في البداية من اجل تحقيق مآرب خاصة تُنسي تسليم الجولان لإسرائيل في يونيو 1967، أي قبل نصف قرن الّا بضعة ايّام.
لم يبدأ بعض المسيحيين في استيعاب ما هو النظام السوري إلّا بعد تفرّغه كلّيا للبنان في اليوم الذي توصّل فيه الى اتفاق فكّ الارتباط في الجولان في العام 1974. لا يزال هذا العجز عن فهم الرابط بين لبنان ومحيطه سمّة تميّز معظم الزعامات اللبنانية، خصوصا المسيحيين الذين لم يعوا معنى حرب السنتين ( 1975 و 1976) وإبعاد اتفاق الطائف وإعادة بناء وسط بيروت وقبل ذلك معنى خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان وبدء حلول ميليشيا «حزب الله» المرتبطة مباشرة بإيران مكانهم.
كان هناك في كلّ وقت غياب للقدرة على تقدير التوازنات الإقليمية واعتبار لبنان محور العالم. في الكتاب المهم الذي عنوانه «دوائر التدخّل» الذي يعرض تفاصيل العلاقات بين الولايات المتحدة ولبنان بين 1967 و1976، تتكشف كميّة السذاجة لدى زعماء مسيحيين كثيرين كان همّهم الأوحد الحصول على سلاح من أميركا لمقاتلة الفلسطينيين، في حين كان همّ الإدارات الاميركية المتلاحقة استرضاء النظام السوري ومنع أي صدام سوري ـ إسرائيلي... وصولاً الى اليوم الذي اصبح فيه الجيش التابع للنظام السوري يسيطر على لبنان بغطاء دولي وعربي... وموافقة إسرائيلية.
آن أوان ان يفكّر اللبنانيون ان العالم لا يدور حول بلدهم الصغير. أكثر من ذلك، صار هذا البلد مجرّد تفصيل صغير مقارنة مع ما يدور في المنطقة ومع سقوط سورية والعراق وتحولّهما الى مرتع لميليشيات تمارس عملية تطهير ذات طابع مذهبي تترافق مع تدمير المدن العربية الكبيرة الواحدة تلو الأخرى او وضع اليد عليها، كما يحصل في دمشق.
من المفيد أن يكون هناك وعي لأمر في غاية الاهمّية يتمثل في أن لا معنى لاي كلام عن «حقوق المسيحيين» في لبنان بوجود سلاح غير شرعي يحمله حزب مذهبي قراره في طهران. أي كلام عن هذه الحقوق من النوع المضحك ـ المبكي الذي يجعل من الخلاف على القانون الانتخابي بمثابة تأكيد لجهل اللبنانيين بما هو على المحكّ فعلا ليس في بلدهم فحسب، بل في المنطقة كلّها أيضا. عندما يكون هناك قانون انتخابي معمول به ولا تجري الانتخابات في ظلّه، في اليوم الذي يحل فيه موعد الانتخابات، فهذه مهزلة المهازل لا أكثر. إنّ عدم اجراء الانتخابات في موعدها والدخول في خلافات في شأن القانون الجديد، دليل على أن اللبنانيين، في معظمهم، لم يتعلّموا شيئاً من تجارب الماضي القريب. على العكس من ذلك، انّهم اكثر من أي وقت ضحية نظرية تقول: ان كل لبناني يعتقد ان العالم يدور حول لبنان. الحقيقة ان كلّ لبناني ينتهي بالدوران على نفسه لا أكثر ولا أقلّ.
عشتم وعاش لبنان وعاشت حقوق المسيحيين في لبنان.