ليس بكثرة المجالسة!

1 يناير 1970 12:16 ص
مما يروى ان احد طلبة العلم قال احتجت لمن يساعدني في إيجاد فكرة بحثية لرسالة الماجستير، فدلني احد المعارف على شاب يسر الله له فتحا بعلم أصول الفقه، وكان بيني وبينه مجالسة في مقر عمله، كوني كنت أزور القسم الذي يعمل فيه بين الحين والآخر، ففاتحته بالموضوع فاعتذر عن مساعدتي. بعدها بفترة سمعته يسعى لأحد أصدقائه لإيجاد فكرة بحثية له في تخصص اخر، وهو الذي لم يعن من جاء اليه في تخصصه. ثم سمعت ان شخصا اخر ممن يعمل في القسم نفسه - وكان بيني وبينه مجالسة أيضا وحوارات - سيذهب لمعرض الكتاب في الرياض فطلبت منه كتابين وأردت اعطاءه ثمنهما وذكرته بهما، فذهب وعاد ولَم يحضرهما وتحجج بحجج واهية. بعد فترة سمعته يقول في المجلس نفسه انه سعى لمساعدة رجل بجمع مبلغ 5 آلاف دينار وهو الذي لم يسع لإحضار كتابين قيمتهما قد لا تتجاوز 5 دنانير لي.

بعدها بفترة وجدت الفكرة البحثية، وكان من أعانني بها هو مرشدي في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، وهو دكتور مصري الجنسية ومتخصص في أصول الفقه، لم يرشدني اليها وحسب وإنما حجز فكرة باسمي، كوني كنت متواجدا في الكويت حينها، ولم يكن هناك متسع لأرجع للرياض وأنهي الإجراءات، لان الفكرة ان أشيعت أخذت ومن سبق بها، فهو احق بها فعل ذلك، ولَم يكن بيني وبينه اي علاقة سوى علاقة طالب بمرشده، ولم أقابله الا بضع مرات عندما كنت في الجامعة لم اخدمه بشيء ولم اعنه على شيء حتى يرجع اليّ فضلا أو حتى يرد جميلا ولكن طيب معشره وجميل خلقه هي من ابتدأت بعد الله بالفضل.

اما الكتاب فتولى إحضاره لي زميل بريطاني من أصل هندي، كنت احفظ معه القرآن في حلقة مسجد سكن الطلبة في جامعة الامام... اشتراه ورفض أخذ ثمنه بل وأخبرني انه سيتكفل حتى بمصاريف شحنه الي في الكويت رغم ان حالته المادية ليست بالقوية.

هنا ادركت ان كثرة المجالسة لا تغير طباع الناس ولا حقائقهم ولا تكسب الانسان مودتهم ولا احترامهم، وإنما تلك الأمور تُبان حين الحاجة فيكتشف الانسان حقيقة نظرة الآخرين له فيكتسب من وراء ذلك دروسا وعبرا، فمن جالستهم لاكثر من 3 سنين منعوني فضلا لم يكن اعطاؤهم لي إياه بضارهم شيئا وهم أهل بلادي ويتكلمون بلساني ومن باعدت بيني وبينهم الأقطار كان منهم من العون بعد الله ما كان.

وصدق طرفة بن العبد حين قال في معلقته:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تزود

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتاً

ولم تضرب له وقت موعد

لعمرك ما الأيام إلا معارةٌ

فما اسطعت من معروفها فتزود

[email protected]