«الإخوان» واليمن ... ونكران الجميل

1 يناير 1970 07:46 ص
هناك خدمات كبيرة الى درجة لا يمكن الردّ عليها الّا بنكران الجميل. هذا مثل فرنسي قديم زاد عليه «الاخوان المسلمين» عبارة «توجيه الاساءات». لا يكتفي «الاخوان المسلمين» بنكران الجميل. صاروا يتجاوزون ذلك الى الدخول في توجيه الاساءات. هذا ما ينطبق تماما على ردود الفعل التي صدرت عن «التجمع اليمني للإصلاح» بعد حملات الاغاثة والمساعدات والاستثمار في مشاريع التنمية التي قدّمتها دولة الامارات العربية المتحدة الى اليمن والى الجنوب تحديدا والى جزيرة سقطرى على وجه الخصوص.

يريد «الاخوان المسلمين»، بفرعهم اليمني، الذي عاد بكل أنواع الكوارث على اليمن، تصفية حساباته مع الامارات من منطلق انّها كشفتهم باكرا عن حقيقتهم. كشفت بشكل خاص شبقهم الى السلطة واستعداهم لكلّ شيء من اجل السلطة، بما في ذلك تدمير اليمن حجرا حجرا. من يشنّ حملات على دولة الامارات بسبب ما قدمته الى اليمن، انّما يريد تجاهل الحقيقة والواقع. هناك ارقام تتكلّم بنفسها من دون حاجة الى شهادة من احد عن حجم المساعدات الاماراتية الى سقطرى وكلّ المناطق اليمنية. ففي الوقت الذي كانت فيه نيران الحرب تشتعل في كلّ الاتجاهات، كانت المساعدات الاماراتية تجوب كلّ المحافظات والمدن والقرى في سياق مشروع انساني يستهدف انقاذ اليمنيين. هناك مساعدات إماراتية وصلت الى عدن وابين ولحج والمخا وكل منطقة عانت من آثار الحرب الدائرة في هذا البلد منذ العام 2011 بسبب رغبة «الاخوان المسلمين» في وراثة علي عبدالله صالح. اعتقد هؤلاء انّ كلّ شيء بات معدّا لذلك وانّ الساحة خلت لهم في ضوء الثورة التي اشعلها شباب يمني متحمّس، كان يمتلك كلّ النيّات الطيّبة، أراد التخلص من النظام القائم في سياق «الربيع العربي».

لم يفطن «الاخوان المسلمين» الى انّهم سيكونون أداة يستخدمها «انصار الله» الذين تقف وراءهم ايران من اجل الوصول الى وضع اليد على صنعاء والانطلاق منها في السعي الى التمدد في اتجاه عدن وكل المحافظات الأخرى، مع تركيز خاص على ميناء المخا. هذا الميناء الذي يسمح بالتحكّم بالملاحة في باب المندب ذي الاهمّية الاستراتيجية لكل التجارة العالمية نظرا الى انّه المدخل الى البحر الأحمر والى قناة السويس.

هناك حملة يشنها «الاخوان» في اليمن على الامارات بحجة انّها تريد تسهيل عملية إقامة قاعدة عسكرية اميركية في سقطرى. قبل كلّ شيء، هل تحتاج دولة مثل الولايات المتحدة الى اذن من الامارات لإقامة مثل هذه القاعدة في سقطرى او غير سقطرى، هذا اذا كانت اميركا مهتمّة فعلا بمثل هذه القاعدة؟ يكفي طرح هذا السؤال للتأكّد من ان كلّ الامر اشاعات باشاعات وحملات إعلامية لا هدف منها سوى التغطية على فشل «الاخوان» على كلّ صعيد، عسكريا وسياسيا.

هناك فارق كبير بين الوهم والحقيقة. كلّ ما في الامر ان «الاخوان» يخشون من التوصل الى تسوية سياسية في اليمن. خوفهم من ألا يكون لهم مكان في هذه التسوية، لذلك نراهم يعملون مع «انصار الله»، أي الحوثيين على استمرار الحرب. هناك تركيز من الجانبين على الدور الاماراتي نظرا الى ان ما قامت به تلك الدولة منذ بدء «عاصفة الحزم» يصبّ في خدمة مشروع واضح كلّ الوضوح يستهدف انقاذ اليمن واليمنيين.

ليس سرّا الدور الاماراتي في استعادة عدن ووضعها في أحضان الشرعية، كذلك الامر بالنسبة الى المكلا عاصمة حضرموت. ليس سرّا أيضا الدور الاماراتي في مأرب وفي معركة المخا. هناك دور اماراتي في استعادة ميناء الحديدة. سيتبلور هذا الدور عاجلا أم آجلا.

من يتابع ما تقوم به الامارات منذ ما قبل انطلاق «عاصفة الحزم»، يكتشف ان هناك خطة مدروسة لإنقاذ اليمن وانتزاعه من براثن الحوثيين. يكتشف أيضا انّ «الاخوان المسلمين» ممثلين بـ «الإصلاح» يعملون كلّ ما في وسعهم من اجل قطع الطريق على أي حل سياسي.

إذا كانت هناك رغبة لدى الجنوبيين في الانفصال، فإنّ هذه الرغبة عائدة الى ما ارتكبه «الاخوان» في المحافظات الجنوبية منذ العام 1994 عندما شاركوا في الحرب التي وقعت بين علي عبدالله صالح والحزب الاشتراكي الذي أراد الانتهاء من الوحدة.

كانت تلك الحرب، تحمل اسم «حرب الانفصال»، وانتهت بانتصار علي عبدالله صالح. لكنّ المشكلة تكمن في انّ «الاخوان» تصرّفوا في عدن وفي المحافظات الجنوبية تصرّف الغزاة. استولوا حتّى على منزل علي سالم البيض في عدن. هل هناك من يريد ان يتذكّر ذلك وان الرغبة في الانفصال، لدى اهل الجنوب، زادت بعد الانتصار على الانفصاليين!

ما الذي يريده «الاخوان المسلمين» في اليمن؟ الواضح انّهم لا يريدون للحرب ان تنتهي. لذلك، يخوضون حربا على كلّ من يسعى الى انهاء الحرب وتطويق «انصار الله» وحصرهم في منطقة واحدة في انتظار ان يأتي وقت التسوية السياسية التي ستشمل الجميع، بما في ذلك «انصار الله» والقوة الحزبية (المؤتمر الشعبي العام) التي يمثلها علي عبدالله صالح... شرط ان يأخذ كل طرف حجمه الحقيقي وشرط انحسار النفوذ الايراني الذي يرمز الى أطماع تستهدف كلّ دولة من دول الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية.

ما هو لافت حاليا انّه حيث يوجد «التجمع اليمني للاصلاح»، هناك جمود عسكري. من لديه شكّ في ذلك، يمكن احالته الى جبهة نهم والمناطق القريبة من صنعاء... أو الى مدينة تعز والمناطق المحيطة بها.

ليس بالتهجّم على الامارات، يمكن لـ»الاخوان المسلمين» الهرب من الازمة التي ادخلوا اليمن فيها. لعبوا دورا أساسيا، بل الدور الأساسي في خطف ثورة الشباب في العام 2011 وتحويلها الى ثورة الفرقة الاولى/‏ مدرّع بقيادة علي محسن صالح على الالوية التي كانت موالية لعلي عبدالله صالح ونجله احمد. بكلام أوضح، نقلوا المعركة في اليمن الى داخل اسوار صنعاء، فكانت تلك الضربة الحقيقية للوحدة اليمنية، كما كانت الفرصة التي استغلّها «انصار الله» من اجل التمدد الى خارج صعدة وعمران وطرد آل الأحمر منها والوصول الى صنعاء في الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 تمهيداً لبلوغ عدن.

ليس بنكران الجميل، يمكن الردّ على ما قدّمته الامارات لليمن. لم تكن مساعدة الامارات منّة في يوم من الايّام. لو كانت للامارات أطماع في اليمن، لما كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، سارع الى مساعدة اليمن في ثمانينات القرن الماضي وصولا الى إعادة بناء سدّ مأرب من ماله الخاص. وقد افتتح السدّ فعلا في أواخر العام 1986.

فعلت الامارات كلّ ذلك من اجل اليمن واليمنيين. اذا كانت لها مصلحة، فهذه المصلحة هي في استقرار اليمن، لا لشيء سوى لانّه يخدم استقرار المنطقة كلّها بعيدا عن الحسابات الصغيرة والسمجة لـ»الاخوان المسلمين». هؤلاء، بغض النظر عن الاسم الذي يحملونه في هذا البلد او ذاك، لم يمتلكوا في يوم من الايّام بعضا من شجاعة الاقدام على عملية نقد للذات تبدأ بالتساؤل لماذا تلك الرغبة في إلحاق كلّ هذا الخراب باليمن ولماذا كلّ هذا الحقد على من يريد الخير لليمن؟