عندما يصالح الأردن العرب مع الواقع
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
07:47 ص
لم تكن قمّة البحر الميّت في الأردن سوى محاولة لمصالحة العرب مع الواقع في ظلّ ظروف إقليمية معقّدة من جهة، وإدارة أميركية جديدة ما زالت تسعى الى بلورة سياستها الشرق الاوسطية والخليجية من جهة أخرى.
قبل كلّ شيء، لابدّ من الإشارة الى ان الأردن لعب دورا كبيرا في تأمين المكان الذي يصلح لمصالحات عربية - عربية يمكن ان تمهّد لنوع من التوازن على الصعيد الإقليمي. كان هناك كلام صريح للأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن غياب هذا التوازن، اذ قال: «الملفّات الاهمّ (في المنطقة) ليست في حوزتنا». كان يشير خصوصا الى سورية والى وجود نفوذ لقوى مختلفة على الأرض السورية ما عدا العرب. كان خطاب أبو الغيط في القمّة من النوع الذي يمكن وصفه بعبارة الخطاب المتطوّر الذي يشير الى وجود امين عام للجامعة العربية يسعى الى ان يكون مختلفا، اقلّه بالنسبة الى الارتقاء الى مستوى الاحداث المصيرية على الصعيد الإقليمي.
في كلّ الأحوال، كان الملك عبدالله الثاني، رئيس القمّة، صريحا في شرحه لما يمكن عمله ولما لا يمكن عمله، وذلك عندما ركّز على القضيّة الفلسطينية مؤكدا انّها لا تزال القضية «المحورية» وانّ المطلوب بكلّ بساطة التركيز على حل الدولتين وعلى انقاذ القدس من منطلق الوصاية الهاشمية على الاماكن المقدّسة الإسلامية والمسيحية في المدينة. لا يزال في استطاعة العرب القيام بشيء ما في المجال الفلسطيني، خصوصا في حال وفّروا الغطاء المطلوب توفيره للفلسطينيين كي يعيدوا بناء استراتيجية جديدة تساعد في جعل الإدارة الأميركية تلعب مجددا دورا يحدّ من الغلو الإسرائيلي. في النهاية، هل تريد إسرائيل حلّا جذريا يعيد للفلسطينيين بعض حقوقهم، ام تعتقد انّ المطلوب استمرار الاحتلال الى ما لا نهاية؟ هل يمكن ان يبقى رهانها على ترهل السلطة الوطنية بشكلها الحالي ورهانها على الاكتفاء بالتنسيق الأمني مع إسرائيل؟
ما كان للقمّة العربية ان تنعقد وان توفّر مساحة لمصالحات من دون الدور الأردني ومن دون عبدالله الثاني القادر على التحدّث الى الجميع. اكّدت قمّة البحر الميت، ما يجهله كثيرون، وهو ان الدور الأردني ليس مصطنعا بمقدار ما انّه دور حقيقي على الصعيد الإقليمي، بل حاجة عربية في كلّ وقت.
الثابت انّ المملكة العربية السعودية تنبّهت الى هذا الامر. لذلك، سبقت انعقاد القمّة زيارة قام بها الملك سلمان بن عبدالعزيز لعمّان. تخلّل الزيارة توقيع سلسلة من الاتفاقات السعودية ـ الأردنية تساعد الاقتصاد في المملكة الهاشمية على تجاوز الازمة العميقة التي يمرّ فيها.
لم يكن الامر متعلّقا بقمّة عربية فقط. كان متعلّقا أيضا بمعالجة شاملة لوضع غير ميؤوس منه في ظلّ تحديات من نوع جديد لا تسمح ببقاء العلاقات السعودية ـ المصرية على حالها. في ظل هذه التحديات، لا يمكن ان تكتفي القوى العربية الفاعلة بالتفرّج على ما يدور في بلد مهمّ مثل العراق. كان الاحتلال الاميركي للعراق الذي سبقته المغامرة المجنونة لصدّام حسين في الكويت عام 1990 في أساس الهجمة الايرانية على كلّ ما هو عربي في المنطقة وصولا الى اليمن بعد الذي حلّ بالعراق نفسه وسورية ولبنان. كان لابدّ من العودة الى العراق. لذلك استقبل الملك سلمان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رغم ان اللهجة التي ميّزت خطابه في القمّة لا توحي بانّ العبادي قادر على الذهاب بعيدا في العودة بالعراق الى الحضن العربي. المسألة مسألة وقت فقط وانتهاء معركة الموصل. سيتبيّن بعد معركة الموصل من يحكم العراق فعلا. هل رئيس الوزراء ام «الحشد الشعبي» الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبية التابعة لاحزاب عراقية تابعة مباشرة لإيران. لم يندّد العبادي في خطابه امام القمّة بـ «الحشد الشعبي». هذا مؤسف. على العكس من ذلك، أشاد به. تلك الإشادة مع التركيز فقط على إرهاب «داعش» لا يبشّر بالخير. ولكن ما العمل؟ لابدّ من مساعدة العراق في استعادة هويته العربية بالمفهوم الحضاري الذي يعترف بالمساواة بين المواطنين بغض النظر عن القومية والديانة والطائفة والمذهب والمنطقة...
كان لابدّ من قمّة البحر الميّت. كانت القمّة اكثر من ضرورة لتأكيد انّ هناك موقفا عربيا موحّدا الى حدّ كبير من التدخلات الايرانية. حتّى لبنان وافق على ادانة التدخلات الايرانية بعدما اكتشف ان لا مصلحة له في استعداء اهل الخليج والعرب عموما.
كان لابدّ من قمّة البحر الميّت أيضا لاكتشاف لا خيار آخر امام العرب غير البحث عن وسيلة لإثبات انهّم ما زالوا موجودين في المعادلة الشرق أوسطية والخليجية. كان هناك خطاب لافت لأمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي دعا العرب الى «الترفع عن الخلافات» و«استخلاص العبر» من الاحداث التي تشهدها المنطق. استقبل أمير الكويت رئيس الوزراء العراقي أيضا، فيما بدا انّ هناك نيّة عربية جماعية لاستكشاف ما اذا كان في الإمكان تحقيق نتائج إيجابية على صعيد استعادة العراق من جهة والرهان على مصر كي تلعب الدور المطلوب منها في إيجاد نوع من التوازن مع كلّ من ايران وتركيا.
كان في القمّة أيضا كلام لافت وعصري لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد ان بدعوته الى الفصل بين الخلافات العربية و«مجالات التعاون التي تهمّ مواطنينا ومجتمعاتنا» وان بتذكيره بطبيعة الازمة السورية. قال في هذا المجال انّه «لا يجوز ان يغيب عن بالنا ان الشعب السوري لم يشرّد بسبب كارثة طبيعية، بل لانّ نظام الحكم شنّ عليه حربا شعواء». من الضروري بين وقت وآخر إعادة تفعيل الذاكرة وشرح الأسباب الحقيقية للمأساة السورية.
لم يعد من مجال للتهرّب من تسمية الأشياء باسمائها في عالم لا يرحم. كانت قمّة البحر الميّت محاولة للتعاطي مع الواقع. ثمّة حاجة الى تعاون مع الإدارة الأميركية الجديدة في حال المطلوب تفادي الانتهاء من خيار الدولتين في فلسطين. لا مفرّ من الذهاب الى النهاية في محاولة استعادة العراق ولا مفرّ أيضا من علاقات طبيعية مع مصر من اجل التصدّي للمشروع التوسّعي الايراني الذي تتبيّن خطورته اكثر فاكثر كلّما مرّ يوم. لذلك، كان خيار انتزاع مصر من بين فكّي الاخوان المسلمين خيارا اجباريا ووطنيا في صيف العام 2013. كان خيارا لا بديل منه في حال المطلوب عدم سقوط المنطقة والبحث مجددا عن طرق لتفادي الأسوأ.
في البحر الميت، كان الروسي والأميركي والأمين العام للأمم المتحدة. كذلك كان حاضرا الاتحاد الاوروبي وممثل لفرنسا. لم يكن من خيار آخر غير خيار المحاولة انطلاقا من دولة اسمها المملكة الأردنية الهاشمية التي واجهت منذ قيامها سلسلة من التحديات تصدّت لها بالتحول الى دولة مؤسسات قبل أي شيء آخر. لذلك ختم عبدالله الثاني القمّة بدعوته الى «مأسسة» العمل العربي المشترك، لعلّ العرب عموما يواجهون تحديات المرحلة الراهنة، وهي تحديات ذات طابع استثنائي وحجم كبير بالاستفادة من تجربة الأردن الذي هو دولة مؤسسات أوَّلاً.