خواطر صعلوك

ما بين الاكتئاب... والمسخرة!

1 يناير 1970 06:01 ص
أراقب ذلك الرجل الجالس أمامي على بعد ثلاث طاولات، تفصل بيني وبينه امرأة في الثلاثينات في مقهى يقدم القهوة بدينارين.

لم أفرق بين كرهي للاثنين رغم عدم معرفتي بهما، وعدم معرفة كل واحد منهما للآخر، وزعت عليهما الكراهية بالتساوي كشكل من أشكال العدل، وحالة من حالات الاكتئاب...

الاكتئاب هو نتاج ما لم تعشه في الماضي، وما لا تراه في المستقبل... فيتفلت منك الحاضر خارجك.

أقول لنفسي «ما الذي يجعل شابا في أواخر العشرينات يرتدي تيشرت علامة ماركته على صدره أكبر من حجم وجه، منغمساً في هاتفه كحمار يدور حول الرحى، إنه ضحية فقدان سؤاله الوجودي، ومجتمع أعطاه الوقت والمال لكي ينفقه».

يدخل على المشهد شاب آخر للتو مفتول العضلات بلحية رومانية، يتجه للعامل الآسيوي وهو يرمق الفتاة بنظرة شهوانية، ورغم عدم مبالاتها وانهماكها في الأوراق والآلة الحاسبة التي تمسكها، إلا أنني قلت في نفسي قالوا لنا إن المرأة ستخرج للعمل، ولا شيء سوى ذلك، ولكن ها هي تتسكع في الثامنة صباحاً على كراسي مقهى وتظهر للآخرين أنها منهمكة جداً في دراستها... أي دراسة هذه لمرأة في الثلاثينات... إن من في مثل عمرها الآن قد تزوجت وأنجبت؟... ثم كيف ترتدي حجاباً وبنطالاً في الوقت عينه؟... ابتسم وأنا أتذكر عادل إمام وهو يقول «عمرو خالد من فوق... وعمرو دياب من تحت».

ها هي قد تركت دراستها وانهمكت هي الأخرى في هاتفها!!

عصفور صغير طار للتو وهبط على الكرسي الذي أمامها... أعطاني هذا انطباعا ما أنني كنت قاسياً معها وعليها.

بالتأكيد أنا أشعر بالاكتئاب من شيء ما!

التفت لأكمل لعني وكرهي للشاب، ولكنه اختفى.

وها هي أيضاً المرأة قد لملمت أغراضها ورحلت... بقيت وحدي ألملم قناعاتي وأتحسس رأسي بحثاً عن سبب هذا الكره الصباحي غير المبرر لاثنين للمرة الاولى أراهما بل وأجلس بعيداً عنهما؟

التفت ورائي بحثاً عن متسكع مثلي ينتقد الناس بوقاحة من دون سبب واضح، وقلت «ربما يراقبني أحدهم الآن ليكتب عني مثلما كتبت عن ذلك الشاب!!».

تصفحت الجريدة... وتذكرت دكتوراً مصرياً من عائلة الصاوي كان قد درسني في جامعة الكويت، وعلمنا أن الجريدة تُقرأ من الخلف وليس من الأمام، ولكنه لم يقل لنا لماذا؟ أو ربما قال ولكني نسيت...

الذاكرة تقع بين ربما ويمكن وقد يكون، وتساؤلات مدفونة وإجابات منسية.

تصفحت الجريدة وشعرت أننا دولة أزمات تديرها مؤسسات، وليست دولة مؤسسات تدير الأزمات!

658 مليون يورو مبالغ «صحية» ضائعة في ألمانيا، موظفون من غير محددي الجنسية لم تصرف رواتبهم منذ شهور، لحوم فاسدة... أزمة سمك... أزمة خرفان، أزمة المباركية، أزمة كهرباء في الصيف، أزمة رياضية، أزمة إسكان، سمنة، استهلاك بضائع وخطاب وأفكار... الجميع يردد (نبي شي جديد)، والجميع غير قادرعلى التعامل مع الحالي أو القديم، سحب جناسي، عودة جناسي، تزوير جناسي، رفع دعوم، انخفاض عوائد استثمار التأمينات، صفقات سياسية، تصفيات سياسية، مكرمات سياسية، مجتمع مدني برجوازي يستخدم مصطلحات مثل (التأويل الديني، النص المقدس، فصل الدين، رجال الدين، الدين... الدين... الدين).

يا إلهي البلد يغرق في ساعتي مطر!

هناك علاقة ما بين المسؤول والسائل... مسؤول طاعن في التخدير يقدم إجابات كشجرة أفيون لا تثمر وبلا جذور، وسائل تبحث عن وسائل الإعلام المختلفة ليوقع لحظات الحضور وسنوات الغياب.

على الشارع المقابل لي أم تسير ومعها ابناها الصغيران بملابس المدرسة، أحدهما تعثر وسقط على الأرض، وبدلا من أن تواسيه...ضربته!

هي لا تريد له السقوط، وتريده أن يتعلم.

أسمع أصوات ضحكات عالية لثلاث فتيات بعمر الزهور على الطاولة التي خلفي، متى جئن؟

الجميع قد حضر... عدا من كنت في انتظاره!

أنهيت قهوتي وتوجهت للسيارة... في المواقف كان الشاب المفتول العضلات يقف مع الشابة المنهمكة في دراستها بينهما ابتسامة ورقم تلفون!

الاكتئاب هو أن يتفلت منك حاضرك... خارجك، حاضرك الذي يحدق في الآخرين لعله يشفي جراح ما نقص منك.

والمسخرة هي أن تستمر في نهج المراقبة لغير نفسك... خوفاً من مواجهة ما زاد فيك.

كاتب كويتي

moh1alatwan@