| د. صباح السويفان* |
يأتي شهر مارس من كل عام حاملا معه الخير الوفير من الأعياد التي تبهج النفس وتدخل إلى القلب السرور، وتخفف من حدة الآلام المتصاعدة التي تأتي بها الأحوال الصعبة، تلك التي يعيشها الإنسان خصوصا في هذا العصر، الذي اختلط فيه الخير بالشر بحيث عدنا لا نفرق بينهما بسهولة.
فها هي أعياد الربيع تحمل إلينا عبق الطبيعة، وتساهم في إنعاش المشاعر من أجل محبة الحياة، وإيقاظ الأمل من جديد بعدما دخل في بياته الشتوي المرير.
بينما يأتي عيد الأسرة ليقول لنا إن التلاحم والحب والإيثار من أهم الأسباب التي تجعل من الأسرة قوة متماسكة في منظومة المجتمع، بينما يؤدي التفكك والأنانية إلى صناعة أبناء يشكلون العبء المضاعف على مجتمعاتهم، وقنابل موقوتة تنفجر في أي وقت لتخلّف الكراهية والعنف والتطرف والإرهاب.
بينما يأتي يوم الشعر العالمي ليذكرنا بهذا الجنس الأدبي الذي بدأ البساط ينسحب من تحته، ومن ثم لم يعد هو لسان حال المجتمعات، والمجال الأرحب لتناول الجمال في أبهى صوره، بعدما اختلط الحابل بالنابل وأفرز الإنترنت لنا ملامح جديدة للشعر، فيها الكثير من الدمامة وعدم الوضوح، والسأم والملل والضيق.
والمناسبة الأهم في شهر مارس عيد الأم... هذا العيد الذي نكرم فيه أمهاتنا سواء كانت أحياء أو أمواتا، نتذكرهن بالخير ونعظمهن ونمجد ما قمن به من خير لنا، وما بذلن من جهد ووقت في سبيل تربيتنا تربية صالحة، فكل منا له أمه التي يرى فيها حياته، ويقدر ما قامت به من أجل أن يكون إنسانا نافعا في مجتمعه، رغم أنني أرى أنه لا يوم بعينه في العام يحق لنا أن نقرره للاحتفاء بالأم، فكل أيام وساعات ودقائق وثواني السنة هي عيد يجب ان نحتفل فيه بها، لأنها الأم التي تحملت الكثير في سبيل تربيتنا لنصل إلى ما نحن فيه من حياة، وهي الأم التي كرمها الله عز وجل وجعل الجنة تحت أقدامها ووصى بصحبتها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر مما أوصى بصحبة الأب، وهي الأم التي نرى فيها الحنان والرحمة والكرم والحب على أصوله وحقيقته.
شهر مارس... شهر الأعياد الإنسانية وأعياد الطبيعة، أراه مختلفا تماما عن أي شهر آخر، ولكنني مع ذلك اشعر بالحزن لأنه يمر منذ سنوات طويلة مضت علينا... ولا يزال القتال مشتعلا في الكثير من الجبهات، ولا تزال الصراعات مستشرية في النفوس والأطماع لا تزال منتشرة في الضمائر التي فقدت إنسانيتها، ولا تزال مناظر القتل والدمار والتسلط والاستعباد والقهر قائمة في حياتنا على مواقع مختلفة من هذه الأرض.
فمثلما نحتفل بأعياد شهر مارس أتمنى أن نحتفل أيضا بنهاية الأحزان في عيون الضعفاء والأطفال والمغلوبين على أمورهم الذين تطحنهم الصراعات من دون أن تكون لهم أي صلة بها، أتمنى أن نحتفل بنهاية الصراعات واستتباب الأمن والسلام على أرضنا التي تحرقها الحروب والنزاعات، أتمنى أن يعيش الجميع في مودة ورحمة، وأن نشعر ببعضنا البعض ولا نظلم من لا يظلمنا ولا نحقد على من لم يبادلنا الحقد.
* كاتب وأكاديمي في جامعة الكويت
[email protected]