إطلالة

الشباب الكويتي و«البلسوت» الأزرق

1 يناير 1970 06:20 ص
يعتقد بعض المواطنين بأن من السهل الاستغناء عن العمالة الوافدة في الكويت، واستبدالها بعمالة وطنية قادرة على ممارسة أعمال النجارة والسباكة والصحية والتكييف والكهرباء والاصباغ والستالايت وغيرها من مهن شاقة من خلال إقامة دورات تدريبية للمواطنين يلبسون خلالها البلسوت العملي «الازرق»، إضافة الى دورات تدريبية للنساء لممارسة التدبير المنزلي وتعليم فنون الطهي ورعاية الابناء وتعليم الخياطة وتفصيل الازياء وغيرها من اعمال تخص حاجة المجتمع ولكنها من صلب مهن العمالة الوافدة.

جاء ذلك ايضاً في دراسة علمية وعملية قام بها برنامج اعادة هيكلة القوى العاملة والجهاز التنفيذي للدولة بهدف وضع استراتيجية قصيرة المدى لوضع تصور شامل يحد من الاعتماد على العمالة الوافدة في شكل كلي، وقد شهدت هذه الخطوات جدلا واسعا بين مؤيد ومعارض، فهناك من رحب وأيد الفكرة، لكنه يرى انها تحتاج مدة زمنية اطول لتطبيقها على ارض الواقع، كونها تستوجب اعداد مواطنين متخصصين في مهن حرفية - فنية، لا سيما انها اعمال لا تكلف اعباء مالية باهظة على الاسر والمجتمع والدولة.

فما الذي يمنع مثلا ان يعمل الكويتي سباكا او نجارا او كهربائيا لحسابه الخاص ويحصل بكل يسر على دعم العمالة الوطنية، ويعيش حياته بحرية تامة من دون اي قيد من عمله الرسمي... بل هناك ايضا من ايد اللباس الازرق، فالكويتي اثبت جدارته في اي موقع بسيط بل ان كلمة «معقولة» لا تقال لمهن سبق لآباء واجداد الكويت العمل بها اثناء حقبة ما قبل الاستقلال. كما ان الكويتي اثبت جدارته اثناء فترة الغزو العراقي الغاشم، فمن قام بتشغيل المخابز والجمعيات التعاونية وتنظيف الشوارع وازالة القمامة، هم شباب الكويت انفسهم، ناهيك عن توصيل المياه بواسطة التناكر الى المنازل في احلك الظروف.

وبالتالي من خلال هذه التجارب العملية، اثبت الشاب الكويتي قدرته على مزاولة اي مهنة ونشاط عند الضرورة في ظل وجود تقبل المجتمع حينها وتشجيعه على عمل المزيد.

في المقابل، هناك نسبة كبيرة عارضت، بقولها: لا نضحك على انفسنا، لأن واقع الحياة مختلف تماما ويرفضه المجتمع جملة وتفصيلا. فالشباب الكويتي لن يعمل بالحرف اليدوية البسيطة، التي هي في الواقع مهنة شاقة ومتعبة لا يتحملها إلا العامل الوافد، وبالتالي مردودها المادي ضعيف وضئيل، عكس طموح الكويتي الذي اعتاد العمل في القطاع الحكومي لأنه ينال راتباً عالياً ومستقبلا افضل.

اما من ناحية الدور الإيجابي ابان الغزو الغاشم، فما قام به الكويتي يدخل في إطار التضحية والواجب، والظروف لها احكام، كما يقال. فالشباب اثبتوا تفانيهم واخلاصهم وقت الشدائد والمحن. كما ان ثقافة ونظرة المجتمع الحالية اختلفتا كثيراً بعد مرور اكثر من 25 سنة على الاحتلال العراقي للكويت، وبالتالي تغيرت ثقافة الشباب وميولهم في العمل بتلك المهن البسيطة والشاقة، فالكثير كان يرفض احضار العمالة الوطنية إلى منزله حتى ولو استدعى الامر، فضلا عن بعض الشركات الخاصة التي لا تستعين بالعناصر الوطنية لأسباب خاصة تحتفظ بها... وقد قالها اكثر من مالك شركة، انه «اذا اجبرت على تعيين عمالة وطنية فمن الافضل اغلاق محلاتي»! وهذا يدل على ان معظم الناس لديهم قناعة بأن الشباب الكويتي يختلف عن الوافد البسيط الذي يتقبل المهن الدنيا مثل الجرسون والمعلم والمقاول والبناء والشيف او حتى بنشرجي وغيره...

صحيح انها مهنة شريفة ومتواضعة جداً، ولكن علينا ان نعلم ان زمن ما قبل ظهور النفط والثروة قد ولّى وتغيرت معه الحياة المعيشية الى الافضل في ظل وجود عناصر الرفاهية والامكانات المادية، وبالتالي المهن اليدوية والحرفية لا تتماشى مع العادات والاعراف الاجتماعية.

ومن خلاصة ما جرى من آراء مختلفة حول هذه الدراسة، نقول ان كانت الحكومة لديها رؤية مستقبلية للشباب الكويتي فيجب الا تكون بتلك المهن البسيطة، فالافضل دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة للشباب الطموح والعمل على تبسيط اجراءات الحصول على تراخيص وتوفير محال باسعار رمزية لهم، وتقديم تسهيلات مالية اضافة من خلال الصندوق الوطني حتى يمارس الشباب تلك الاعمال التجارية من دون خوف وضغوط نفسية ومادية فما يحتاجه الشباب هو توفير فرص اكبر + زيادة ثقة ومعنويات لخدمة بلده.

ولكل حادث حديث...

[email protected]