محمد العوضي / خواطر قلم / الحمار ليس علمانياً!

1 يناير 1970 04:48 ص
تناولت في المقال السابق مصيبة اختراق مطاعم الوجبات السريعة لمدارس وزارة التربية، فبعد ان كانت بقالة المدرسة تبيع الكاكاو والبسكويتات والحلويات والعصائر. تبيع الآن اللحوم على ابناء مدارس المتوسطة وربما الابتدائي. تخيل عندما يفطر عشرات الآلاف من ابنائنا على وجبات لحوم سريعة ومشروبات غازية او يأكلونها قبل الظهر ليستغنوا عن الغداء العائلي، وقد عرضت في المقال كتاب حضارة الوجبات السريعة تأليف إيريك شلوسر ترجمته الدار العربية للعلوم الذي يكشف حقائق الجوانب المظلمة في هذه الوجبات... إن الموضوع لا يخص الجانب الصحي لأولادنا فحسب، وانما للبعد التربوي والثقافي حضور قوي للوجبات السريعة، وقد اشرت باقتضاب إلى حرمان الأسرة من التواصل والتراحم من خلال مائدة الغداء أكثر الوجبات حميمية في زمن السرعة والانشغال... نعم الأكل ثقافة... التحية ثقافة... التعبير عن الفرح والحزن ثقافة... بعيداً عن التعريفات الاصطلاحية واللغوية لمعنى الثقافة في المؤلفات الغربية والعربية فإنني اذا شرحت للطلبة المصطلحات فإنني أبدأ بالأمثلة الواقعية ثم انتقل منها إلى المفاهيم الكلية، فمثلاً اقول لهم عندما تعرض المسلمون في البوسنة والهرسك للابادات الجماعية في عصر الديموقراطية الرأسمالية وبقايا الاشتراكية كنت ضمن الوفد الذي يمثل الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية الذي ذهب إلى البانيا لنصل إلى الحدود البوسنية ونطلع على احوال آلاف اللاجئين ونقدم لهم المعونات، وقد لاحظت ونحن نسير في «المايكروباص» الذي يسير على الديزل في الجبال والوديان ومئات الكيلومترات من الأرض المغطاة باللون الأخضر والجداول النهرية... وكلما مررنا على قرية يقول لنا المرافق البوسني او الألباني هذه قرية مسلمة. ثم وهذه قرية مسيحية سألته كيف تميز بين القرى المسلمة والقرى المسيحية وأنت تقول قبل قليل انك للمرة الأولى تمر في هذا الطريق، لاسيما ان القرى ليس فيها منارات لمآذن او صلبان لكنائس. قال العلامة التي تكشف لنا عن دين اي قرية حظائر تربية الحيوانات فإذا رأيت حظيرة فيها غنم وماعز قلت لك هؤلاء مسلمون وإذا رأيت حظائر الخنازير قلت لك هؤلاء نصارى!... هذا مثل بسيط ومباشر يهدينا إلى صلة ثقافة اي مجتمع متصلة بدينه وانه من خلال ملاحظة المظاهر العامة يمكن ان يستدل الانسان على هوية المجتمع من بعض جوانبه قلت معلقاً، واذا كانت هناك حظائر تربي الحمير فما دين هذه القرية؟! هل يمكن ان نقول انها قرية لا دينية علمانية بناء على ان العلماني المتطرف ليس لديه مرجعية دينية للحلال والحرام، ولأنه ينطلق من الواقع، والواقع يتغير، وما هو مستقبح اليوم يكون حسناً في الغد لأن الذوق خاضع للتطور والتأثر بالدعاية والإعلان وثقافة الاستهلاك المتحالفة مع التضليل الذكي عبر الصورة اللزبة الخادعة!!! اعتقد ان الحمار ليس علمانياً ولكن العلماني يحتاج إلى مراجعة مفهوم العلمانية لا بمعناها الاصطلاحي القديم القاموسي او العجمي وانما ما واكبه من تحولات تأثراً بالمجتمعات والتطورات المتشابكة، ولعل خير من درس ذلك الدكتور عبدالوهاب المسيري من كتابه «العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية»... ما علاقة هذا الطرح في قضية الوجبات السريعة والغازية واللحوم التي غزت أبناءنا في المدارس وأغوتهم عن وجبات عائلاتهم. أي ما الصلة بين الثقافة والطعام الجاهز اللذيذ المضر مادياً على علاقات ومكونات الأسرة بعضها ببعض، لن اعطيك الجواب لأنه أكيد عندك رؤية، ولكن اتمنى من مسؤولي وزارة التربية قراءة فصل «حضارة الهمبورجر والإنسان» من كتاب «دراسات معرفية في الحداثة الغربية» لعبدالوهاب المسيري... ليعرفوا كيف تتم صناعة الإنسان المناقض للإنسان الفطري العائلي!
محمد العوضي