خواطر صعلوك

فنشوك... يا أستاذ!

1 يناير 1970 09:39 ص
هذه المرة ركب سيارته التي فرَّ منها الإسفنج من كل مكان حتى بدا اللون الأصفر فيها أكثر من اللون الأسود وهو يشعر أنه «مخرم» من كل مكان ككراسي سيارته!

«فنشوك يا أستااااذ!!» هذه هي العبارة التي قالها له أحد التلاميذ أثناء انهماكه في الشرح لتتردد في عقله طوال أسبوع كدائرة كهربائية لا تنتهي من دون أن تشعل ضوءاً بل تطفئ كل احترام للنفس.

في البداية انتشرت الإشاعة في المدرسة كالنار في حجر المعسل «سوف يتم تفنيش بعض المعلمين الوافدين»، هذا ما سمعه أحد الطلاب من أحد المعلمين وهو يتحدث مع زميله أثناء مراقبة الفرصة، فانتشر هذا الخبر في المدرسة كانتشار الكتب الأكثر مبيعاً في المكتبات!

ورغم أن طلاب المدرسة يحبونه إلا أن أحد زملائه قال له «بما سينفعك حب الطلاب إذا كرهتك الوزارة؟!»

في المساء جلس في المقهى وحيداً، يقلب دفاتره القديمة والتزاماته الجديدة ويحاول أن يحدد أهدافه السلوكية التي كان طالما يحددها لطلابه، هذه المرة عليه أن يعلم نفسه ويقدم لها أسئلة تقويمية وأجوبة عادة لا تفيد تغذية مرتجعة!

يتساءل «هل أضع أهدافي بطريقة الكفايات أم على طريقة شيخنا بلوم؟»، ثم يغرق في صمت طويل على خلفية فرحة الجماهير بهدف برشلونة الثالث على باريس سان جيرمان.

لطالما كان يفضل طريقة بلوم... ولطالما كان يكره برشلونة!

يكتب على دفتر غير مسطر:

- يصنف أنواع القروض والأقساط والالتزامات العابرة للقارات المطلوبة منه.

- يحدد خارج السبورة الأسباب التي أدت إلى انهيار جليدي فوق رأسه.

- يتحقق ما إذا كان الخبر صحيحاً في ظل وزارة لا شيء أكيد فيها.

- يجدول احتمالات منع السفر وانتهاء الإقامة.

ورغم أنه «يفسر» أحد أهم الأفعال في هرم بلوم على مستوى الفهم إلا أنه يعلم أنه لا يستطيع أن يكتب... أن يفسر المعلم لماذا حدث ذلك!

باريس سان جيرمان يسجل هدفاً في مرمى الجماهير الكاتلونية... يغرق المقهى في صمت بئر.

تتضارب أهدافه الوجدانية «يتقبل، يفاضل، يوافق، يرفض، يدافع، يبدي رأيه» للمرة الأولى في حياته لا يجد نفسه في هرم بلوم سوى مومياء محنطة!

برشلونة تتقدم بهدف رابع... يسأل نفسه هل هناك أمل!

يقلب رسائل الواتساب فيجد رسالة تقول«في عيد المعلم خصموا منا بدل الإيجار، وفي العيد الوطني أنهوا عقود العمل...أهرب قبل عيد الفطر» يأخذ الرسالة على محمل المزاح، ولكنه يشعر بطعن الرماح أسفل عموده الفقري!

يتفقد قهوته الباردة ويطلب من النادل أن يجلب له أخرى، ويرسل رسالة هاتفية إلى أحد زملائه قائلاً: «هل هناك أخبار جديدة؟».

برشلونة يحرز الهدف الخامس... النتيجة الآن 5/‏‏1...السماء تتزاحم بدعاء الجمهور الكاتلوني.

يجب أن يفوز بستة أهداف.

فنشوك يا أستااااذ!!

صدى العبارة يملأ المكان برائحة كريهة طغت على رائحة البن والسحلب والينسون ودخان المعسل وآلاف الضحكات.

كان يعتقد أن وظيفة المعلم هي أساس كل الوظائف الأخرى، الطبيب والقاضي والمهندس والمحاسب، والصحافي، والمذيع... الجميع عليه أن يمر على المعلم، ولكنه اكتشف أنه أول الضحايا وأنه لم يكن أساساً بل فائض عن الحاجة!

ومع نسمة الهواء الشتوية تذكر أصدقاءه في وطنه، الفرحين بعودته والشامتين بالطريقة التي سيعود بها... وتذكر أبناءه وجيرانه، وابتسم عندما لاحظ أن قهوته الثانية أصبحت باردة من دون أن يشربها... كخسارة تتكرر للمرة الثانية.

«العالم كله يتواطأ ضدي»، ردد العبارة في سره ثم وقف ليدفع ثمن مشاريب لم يشربها، وحسد النادل على وظيفته الثابتة ونظرة اللامبالاة التي في عينه، ثم اتجه نحو سيارته.

برشلونة يسجل الهدف السادس ويتأهل للمربع الذهبي وصرخات الجماهير ملأت المكان.

ضحك من كل قلبه...عندما لاحظ أن الأهداف السبعة كانت في مرماه.

كاتب كويتي

moh1alatwan@