خواطر صعلوك
المنحة يا ريس...!!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
11:05 ص
أهل الكويت اعتادوا الحفر في كل مكان... فقد حفروا البحر حتى أخرجوا منه اللؤلؤ، وحفروا البر حتى أخرجوا منه الماء، وعندما زادوا الحفر خرج لهم النفط، وعندما خرج لنا النفط توقفنا عن الحفر تماماً ودخلنا مرحلة جديدة ربما قد نسميها «الحفر في الذاكرة».
واعلم يا رعاك الله أننا عندما توقفنا عن الحفر في الواقع توقف معنا كل شيء في المستقبل، فقد وقف الخلق جميعاً ينظرون للإمارات في إبداعاتها، ووقف المرتشون أعلى القصبة الهوائية للشعب حتى كادوا يختنقون قهراً، ووقف الناس ليتشاجروا على (مصفط سيارة) في شقق مستأجرة، ووقفت التنمية على الرصيف ليمر كل الذين كسروا الإشارة الحمراء... وكل ذلك يهون طالما أن الكويت مازالت قادرة على الاحتفال والابتسام.
ولكننا اليوم وبمناسبة الأعياد الوطنية أعادها الله علينا وعليكم بالحب والتسامح بين الحاكم والمحكوم نحتاج أن نحفر في أماكن أخرى وبمعانٍ جديدة ورؤى مختلفة للحفر، حتى لو كنا سنحفر من أجل تصدير (الفقع) فلا يعقل أن يكون تاريخنا مليئاً بالسفن التجارية التي خاضت البحار، ويصبح حاضر هذه السفن أنها حبيسة كصورة على ظهر الـ100 فلس.
فمنذ عصر صناعة (البوم) وحتى عصر امتلاك اليخوت قد حدثت أمور كثيرة لا أستطيع لمحدودية العمود الذي أكتب فيه أن أحدثك عنها، فنحن قديماً كنا نملك ونصنع سفينة عجيبة اسمها (البغلة) قادرة على أن تحمل ما لا تحمله مثيلاتها في البحر، فتحولت هذه السفينة بعد التحديث إلى أشخاص قادرين على حمل ما لا يستطيع أمثالهم من اللصوص حمله مما خف وزنه وزاد ثمنه، وهذا يعني أن التوقف عن الحفر سيحول (وطن النهار) إلى (طيور الظلام) ويحول (عروس الخليج) إلى الفك المفترس بحيث نكون صنفين من الناس، صنفاً يتحول إلى فم وصنفاً يتحول إلى لقمة وهذه هي الداروينية الاجتماعية بكل اختصار.
فلا تتغنوا بحب الكويت 23 ساعة وتعملون من أجلها ساعة واحدة، فلقد أصبحنا محترفين في إخراج لوحات للرقص على المسرح وفي إخراج اللصوص من المطار وفي إخراج الكويت من التاريخ! فهل يعقل أيها القارئ الهمام أن تكون لدينا كل هذه الإخفاقات ونحن بتعداد مليون وثلاثمئة ألف مواطن فقط، وهو عدد سكان مدينة كبرى في أي دولة عربية أو عدد موظفي شركة كبرى في العالم، فصدق أو لا تصدق (لا يهم) أن السكة الحديد الهندية يبلغ عدد موظفيها أكثر من تعداد سكاننا!!، وأن مجمع الأفنيوز قد بني في فترة أقل من بناء جسر حكومي!، وإنني على معدة خالية منذ الصباح، فأرجوك عزيزي القارئ إما أن تملأ معدتي بالطعام فتأخذ عشر حسنات، وإما أن تملأ استمارة سياسية فتأخذ عشرة شاليهات.
أعلم أنني قد شرقت وغربت معك في الكتابة ولكنني أعدك وعد شرف على طريقة الكشافة أن أدخل في الموضوع الآن.
انتشرت خلال الأسابيع الماضية كمية رسائل عبر «واتساب» ووسائل التواصل الأخرى وقد تناقلتها الأمهات كخلية نحل تبني مستعمرة مفادها أن هناك خبراً ساراً جداً سيُفرح المواطنين بمناسبة الأعياد الوطنية، ولا أدري لماذا خيالنا دائماً يأخذنا (للمنحة) مباشرة دون أن نفكر ولو للحظة أن هذا الخبر السعيد ربما يكون مثلاً عودة الرياضة أو عودة التعليم أو عودة عروس الخليج إلى كوشتها التي اعتلتها الجماعات وليس فرق العمل... وهذا الخيال الذي يأخذنا باستمرار للمنحة أو إسقاط القروض يجعل أعيادنا الوطنية تتشابه بأعياد العمال في مصر عندما يصرخ أحد العاملين على من يعتلي المنصة قائلاً (المنحة يا ريس...) فيصفق الجمهور وينخرطون في حالة دعاء جماعي.
بالتأكيد ان المنحة هي أكثر الأخبار السارة التي قد تمس القلب والجيب على المستوى الفردي، ولكن الإعلان عن الحفر من جديد سيكون أكثر الأخبار السارة التي تمس الشعب والدولة على المستوى الوطني... فعندما ينهمك الجميع في عمل جماعي للحفر...لا تظهر إشاعات المنح في الأعياد الوطنية وكأننا في أعياد العمال، لأن العمال يتعاملون مع المصنع أما نحن فنتعامل مع وطن.
لقد كتب الشاعر الفرنسي فرنسيس بونج ذات يوم (الإنسان هو مستقبل الإنسان)، فاعلم زادك الله علماً أننا اليوم مستقبل أبنائنا، فما الهوية التي سنورثها لهم في الغد؟ فكما يقول محمود درويش (الهوية ما تورث وليست فقط ما ترث).
حفظ الله الكويت وأميرها وولي عهدها وشعبها... وكل عام وهذا الوطن أجمل.
****
قصة قصيرة:
لم يعد يذكر كم من الصور مزق خلال السنوات الخمس الماضية... كل ما يعرفه أن ألبوم صوره قد أصبح نصفه فارغاً... ونصفه الآخر مليئاً بوجوه لم يعد لها وجود!
كاتب كويتي
moh1alatwan@