خواطر تقرع الأجراس / قل و... قل
| مصطفى سليمان* |
1 يناير 1970
02:04 ص
قل: أقرّ بذنْبه، وقل: اعترف به
اللغويون المعاصرون المتشددون «لا يعترفون» بقولنا: اعترف اللص بجريمته. بل: أقرَّ بها. فهل «نعترف» بتشددهم؟ وماذا في معاجمنا القديمة من جذور«تعترف» بهذا المعنى؟
يقولون: أقرَّ: دخل في القُرّ، والقُرُّ برد الصيف، والقَــرُّ البرد. وأقرَّ: سكنَ، وانقاد، ومنه معنى الاستقرار والقرار في المسكن. وأقرَّ الله عينَه وبعينه: أعطاه حتى تبرد ولا تسخن، وهي كناية عن الإسعاد وعدم الحزن والبكاء بدمع حار. وأقرَّ الشيءَ في المكان: ثبّته فيه. وأقرَّ الرأيَ: رضيه وأمضاه... الخ
واعترف للأمر: صبرَ. واعترف إليه: أخبره باسمه. واعترف القومَ: استخبرهم «اذهبْ إلى أولئك الناس فاعترفْهم». واعترف اللُّقطةَ عرفها بصفتها وإن لم يرها في يد الآخرفدلَّ عليها لينالها. واعترف فلان: ذلَّ وانقاد. واعترف إليَّ: اخبرني باسمه وشأنه. وفي لسان العرب: «... وفي حديث ابن مسعود، فيقال لهم: هل تعرفون ربّكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه؛ أي إذا وصف نفسه بصفة محقَّقة بها عرفناه. وأضاف في مادة عرف: عرف ذنبه عُرْفاً واعترف: أقرَّ به. وقال أعرابي: ما أعرف لأحد يصرعني. أي لا أُقِرُّ به».
وفي «العباب الزاخر» شرح لقول الأعرابي: أي ما أعترف. وهو نفسه في «الصحاح في اللغة». وفي القاموس المحيط: عرف بذنبه وله: أقرَّ به. وفي «البستان» لعبد الله البستاني: أقرَّ به على نفسه. واعترف فلان: ذلَّ وانقاد. واعترف إليَّ: اخبرني باسمه وشأنه. واعترف له بحقه: أذعن واعترف. وفي «الوسيط»، وجاء في المعجم القاهري الذي كان نظرياً متشدداً ضد المولَّد: اعترف بالشيء: أقرَّ به. وقرّرَ فلاناً بالذنب: حمله على «الاعتراف» به. وقرَّر فلاناً على الحق: جعله «معترفاً» به مذعِناً له. فأذعن الوسيط للتطور اللغوي و«اعترف» به!
ولدينا الحكم العُرفي. وهو من اللغة العربية الحديثة. ويشرحه «الوسيط»: ما يجري على قواعد القانون العام مراعاة لمقتضيات الأمن. وأضاف «مُولّد». وهناك العريف: القائم بأمر القوم. والعارف. والمعرفة... وكلها من العلم بالشيء. فمَن هو أعرَفُ بذنبه من مرتكبه ؟ فعندما «يعترف» المذنب فهو يعرف ذنبه ويعترف به، أو يقرُّ به.
لجان جاك روسو كتاب شهير «الاعترافات» وهو سيرته الذاتية التي «اعترف» فيها بكل أسرارحياته العامة والخاصة. وهناك «اعترافات القديس أوغسطين» و«كرسي الاعتراف». لماذا لم يترجم المترجمون كتاب روسو بـ«الإقرارات»، وإقرارات القديس أوغسطين، وكرسي الإقرار؟ إنه إبداع المترجمين البارعين الذّوّاقين؛ فالترجمة باب واسع من أبواب توليد اللغة.
قال شهاب الدين الخفاجي: «لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعمله العرب العاربة والمستعربة فقط حجَرْنا الواسعَ، وعسُرَ التكلُّمُ بالعربية على مَن بعدَهم». ما أروعه من مجدِّد سبّاقٍ عصرَه إلى التطور!
وإلى قول آخر.
* شاعر وناقد سوري