تغيّرت أميركا... لماذا لا تتغيّر إيران؟
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
07:46 ص
ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بعد الزيارتين اللتين قام بهما الرئيس الإيراني حسن روحاني لكلّ من سلطنة عُمان والكويت، خصوصا مع ترافق الزيارتين والحملة التي شنّها الأمين العام لـ «حزب الله» في لبنان السيّد حسن نصرالله على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين.
ليس سرّا أن نصرالله يمثّل، باعترافه الشخصي، مجموعة تأخذ أوامرها من ايران، وهو الذي لم ينكر يوما أنّه جندي لدى «الولي الفقيه»، أي لدى «المرشد» الاعلى علي خامنئي.
لا يمكن بأيّ شكل الفصل بين كلام الأمين العام لـ «حزب الله» في لبنان وبين السياسة الحقيقية لإيران. إنّها سياسة تقوم على أن لبنان ليس أكثر من «ساحة» تستخدم لأغراض إيرانية وتحقيق أهداف لا علاقة للبلد ولمواطنيه ومصالحهم بها من قريب أو بعيد.
في الواقع، لا يمكن لإيران ان تقول الشيء وعكسه في آن. امّا تريد إقامة علاقات طبيعية مع جيرانها العرب... وامّا تريد ممارسة دور القوّة المهيمنة التي تستطيع فرض إرادتها على الدول العربية انطلاقا من مشاركتها في الحرب الاميركية على العراق في العام 2003.
من الطبيعي ان تستقبل الكويت الرئيس الايراني. لم تكن الكويت في يوم من الايّام في قطيعة مع احد، خصوصا عندما يطلب هذا الاحد الدخول في حوار. الحوار شيء والتوصل الى نتائج إيجابية شيء آخر. المهمّ توافر حسن النيّة. هل لدى ايران حسن نيّة، من أي نوع كان، كي تسفر زيارة روحاني للكويت عن نتائج إيجابية، ام ان كل المطلوب هو دق اسفين بين الدول الاعضاء في «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»؟ الأكيد ان الكويت ليست المدخل المناسب لدقّ مثل هذا الاسفين، خصوصا أنّ أمير الدولة الشيخ صباح الأحمد يمتلك ما يكفي من الخبرة والحنكة وبعد النظر. هذا يعني أنّه يعرف التفريق بين ما هو رغبة صادقة في إقامة علاقات ذات طابع صحي بين ايران ودول الخليج من جهة وبين السعي الى القيام بمناورات سياسية من جهة أخرى.
كان من الطبيعي ان يبدأ روحاني جولته بسلطنة عُمان. لم يكن سرّا في يوم من الايّام الدور الذي لعبته سلطنة عُمان في التقريب بين ايران والولايات المتّحدة. ما كان للاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني بين «مجموعة الخمسة زائدا واحدا» أن يرى النور من دون الدور العُماني. ما لا يمكن تجاهله ان المفاوضات التمهيدية بين الولايات المتحدة وايران في شأن الملف النووي كانت في سلطنة عُمان وليست في ايّ مكان آخر. ولكن مع الوقت، تبيّن لعُمان ان مصلحتها لا يمكن ان تكون بقطيعة مع جيرانها العرب حتّى لو كانت سياستها الثابتة تاريخيا تقوم على المحافظة على نوع متميز من العلاقات مع ايران، بغض النظر عن النظام القائم فيها. كانت العلاقات أكثر من ودّية مع ايران الشاه وبقيت هذه العلاقات متميّزة بعد قيام «الجمهورية الإسلامية».
في كلّ الأحوال، لا يمكن الفصل بين التحركات الايرانية الأخيرة والمواقف الصادرة عن رجال الإدارة الاميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب. تعكس هذه المواقف رغبة في تفادي السقوط في الفخّ الايراني الذي سقط فيه باراك أوباما. بكلام أوضح، لم يعد مسموحا لإيران استغلال الملفّ النووي للحصول على تغطية اميركية لمشروع سياسي ذي طابع توسّعي يقوم على تفتيت الدول العربية الواحدة تلو الأخرى.
ثمّة إدراك في طهران لعمق التغيير الذي حصل في واشنطن، وذلك بغض النظر عن قدرة ترامب على إكمال ولايته الرئاسية. الثابت ان هناك أعمدة لهذه الإدارة لن تتزحزح عن مواقف معيّنة تجاه ايران بقي ترامب أم لم يبقَ في البيت الأبيض طوال السنوات الأربع المقبلة. هذه الأعمدة هي نائب الرئيس مايك بنس الذي سيخلف الرئيس في حال اضطراره الى الاستقالة، ووزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس ووزير الخارجية ركس تيلرسون. كان بنس في غاية الوضوح عندما تحدث في المؤتمر الأمني الذي انعقد في ميونيخ حديثا عن الدور الايراني في زعزعة الاستقرار الاقليمي. كذلك الامر بالنسبة الى الجنرال ماتيس الذي يعتبر ان ايران هي القوة الأكبر التي تهدد الاستقرار في الشرق الاوسط، كما ان سياستها «تخالف مصالحنا». اما تيلرسون، فلم يخف في شهادته أمام إحدى لجان الكونغرس نظرته السلبية لإيران.
بعيدا عن اللفّ والدوران واستخدام «حزب الله» في لبنان لإطلاق تهديدات لإسرائيل لا تخدم سوى التوجه العدواني لبنيامين نتنياهو، ولا يمكن ان تؤدي سوى الى جرّ الويلات على لبنان، هناك طريق آخر تستطيع ايران انتهاجه. لم يكن سرّا في يوم من الايّام ان إسرائيل تبحث عن طرف يطلق تهديدات لها لتبرير سياسة فرض الاحتلال للضفة الغربية وصولا الى تهجير أكبر قسم من الفلسطينيين من أرضهم. يتمثّل الطريق الآخر الذي يُفترض بـ «الجمهورية الإسلامية» اتباعه، بخطوة أولى تعتبر ايران نفسها بموجبها دولة طبيعية من دول العالم الثالث تبحث عن الرفاه لشعبها وعن التعاطي الايجابي مع جيرانها ومحيطها القريب والبعيد، أي وصولا الى اليمن.
هل تستطيع ايران ان تكون دولة طبيعية ام تبقى ضحية وهم اسمه الدور الإقليمي لـ «الجمهورية الإسلامية» التي ليس لديها ما تصدّره سوى إثارة الغرائز المذهبية التي تبقى في نهاية المطاف الأرض الخصبة التي ينمو فيها الفكر «التكفيري». هذا الفكر الذي تدعي ايران محاربته، علما أنّ الميليشيات المذهبية التابعة لها تعتبر أهمّ حليف له. اكثر من ذلك، هذه الميليشيات على رأسها تلك المنضوية تحت شعار «الحشد الشعبي» في العراق هي من يوفّر حاضنة للفكر التكفيري وكلّ ما يتفرّع عنه، خصوصا «داعش».
يتظاهر روحاني بانّه يبحث عن علاقات طيّبة مع دول الخليج، فيما تتابع ايران حربها على الشعب السوري وتقدم على خطوات تصب في عملية تغيير طبيعة المدن والمناطق العراقية، من بغداد الى الموصل، الى البصرة... بينما يطلق حسن نصرالله التهديدات الموجهة الى كلّ دولة عربية يمكن ان تكون عونا للبنان وداعما له في هذه الظروف الدقيقة التي يمرّ فيها.
تغيّرت أميركا. لماذا لا تتغيّر ايران وتباشر عملية نقد للذات. لا يختلف اثنان على أن ايران تمتلك حضارة عظيمة. هذا ثابت. الثابت أيضا أنّ ليس في الإمكان مواجهة التغيير الاميركي بجولة مثل الجولة الخارجية لروحاني وبتهديدات من النوع الذي يطلقه الأمين العام لـ «حزب الله». هذه لعبة مكشوفة لم تعد تنطلي على أحد، خصوصا على السعودية التي قالت الكلام الذي يجب أن يقال بلسان وزير الخارجية عادل الجبير في أثناء مؤتمر ميونيخ. هذه لعبة تعود بالضرر على ايران نفسها وعلى دول المنطقة. الخيار واضح. انّه بين خروج ايران من لعبتها القديمة وبين البقاء في أسر الشعارات التي تطلقها والتي لا تعني سوى المتاجرة بفلسطين وشعبها والتسبب بكل ما يمكن أن يلحق الأذى بالعراق وسورية ولبنان والبحرين... واليمن، على سبيل المثال وليس الحصر.