خيرالله خيرالله / خطوة سورية في الاتجاه الصحيح...
1 يناير 1970
03:46 م
يشكل المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد والقاضي بإقامة علاقات ديبلوماسية وقنصلية بين سورية ولبنان وفتح سفارة في بيروت خطوة في الاتجاه الصحيح. إنها خطوة في غاية الأهمية، يمكن وصفها بأنها نقطة تحول في العلاقة بين بيروت ودمشق. إنها تعكس إلى حد كبير، أقله ظاهراً، وجود رغبة سورية في الطلاق مع الماضي. وحدها الأيام ستظهر ما إذا كانت هذه الرغبة حقيقية أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت والانحناء أمام العاصفة في انتظار أيام أفضل. إنها أيام قد يظن النظام السوري، على حد تعبير المتشائمين، أنه سيستعيد فيها المبادرة وسيعود إلى فرض الوصاية على لبنان بطريقة أو بأخرى، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. والطريقة المباشرة تعني عودته عسكرياً وأمنياً إلى لبنان عبر بوابة الشمال أو بوابة أخرى ذات علاقة بالإرهاب، في حين أن الطريقة غير المباشرة تتمثل في توفير الظروف والضغوط الكفيلة بقلب المعادلة الداخلية رأساً على عقب. وهذا يعني بكل بساطة تمكين التابعين للمحور الإيراني - السوري بدءاً من «حزب الله» وانتهاء بأدواته المستأجرة كالنائب ميشال عون وتياره، وما شابه ذلك، من الحصول على الأكثرية في مجلس النواب نتيجة الانتخابات المقبلة.
في كل الأحوال، لا بدّ من الرهان على أن النظام السوري قرر السير في خط مختلف يرتكز على التخلي عن الأوهام من جهة والسعي إلى الاستجابة لمصالح سورية والشعب السوري من جهة أخرى. ليس عيباً أن يسعى نظام إلى تحقيق مصالح بلده وشعبه. العيب في الإصرار على تكرار أخطاء الماضي والإيمان بأن في الإمكان تغطية جريمة بجريمة أكبر منها. لعل أفضل مثل على ذلك الظن بأن التخلص من رفيق الحريري سيغطي جريمة التمديد لأميل لحود غصباً عن إرادة المجتمع الدولي والأكثرية الساحقة من اللبنانيين. كذلك، ليس في الإمكان الرهان على أن الجرائم والتفجيرات التي وقعت بعد استشهاد رفيق الحريري ستمحو آثار الجريمة والنتائج التي ترتبت وستترتب عليها... هذا لا يعني أن النظام السوري متهم بأنه وراء الاغتيالات والتفجيرات في لبنان، علماً أن لبنانيين يظنون ذلك عن حق أو ربما عن غير حق!
خرج الجيش السوري من لبنان إلى غير رجعة، رغم أن النظام لا يزال يعتقد أن العودة ليست مستحيلة، وأن الظروف يمكن أن تسمح له بذلك، نظراً إلى أن المجتمع الدولي سيكتشف عاجلاً أو آجلاً أن لبنان لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه، وأن التركيبة اللبنانية غير قابلة للحياة. مثل هذا المنطق لا علاقة له بالمنطق لا أكثر. إنه دليل على قصور وميل إلى ممارسة عملية هروب إلى أمام تفادياً لمواجهة الأزمة الحقيقية التي اسمها أزمة النظام السوري غير القادر على اتخاذ قرار لا بالحرب ولا بالسلام من أجل استعادة أرضه المحتلة منذ العام 1967. وفي حال يريد الحرب إنما يفعل ذلك عن طريق لبنان واللبنانيين غير مدرك في نهاية المطاف أن لعبته صارت مكشوفة، بل ممجوجة من جهة وانقلبت عليه من جهة أخرى. صارت مكشوفة لأن الطفل اللبناني يعرف أن قضية ما يسمى «المقاومة» مفتعلة، وذلك منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000. أما لماذا انقلبت عليه انقلاب السحر على الساحر، فهذا عائد إلى كون دمشق اكتشفت أخيراً أنها صارت تحت رحمة «حزب الله» الإيراني في لبنان، وأن الأطراف الآخرين الذين تعتمد عليهم ليسوا سوى ملحقين بالحزب الإيراني والميليشيا التابعة له في أحسن الأحوال.
لا يمكن إلا افتراض حسن النية لدى النظام السوري. ولذلك يبدو مفيداً متابعة التنسيق الأمني بينه وبين السلطات اللبنانية لمعرفة ما إذا كانت هناك رغبة حقيقية لدى دمشق في مواجهة الإرهاب والإرهابيين أم أن المسألة مرتبطة بالمتاجرة بالإرهاب والإرهابيين وممارسة لعبة الابتزاز التي ملّ منها العرب والعالم؟ لا شك أن الامتحان الأساسي سيكون له اسم واحد وحيد هو التزام القرار الرقم 1701. إنه القرار الصادر عن مجلس الأمن صيف العام 2006 بعد الحرب التي تعرض إليها لبنان وكانت عدواناً إسرائيلياً تسبب به «حزب الله». ليس كافياً تمرير عبارة فحواها أن الانتشار العسكري السوري الجديد في المناطق الحدودية المحاذية للبنان، خصوصاً في الشمال وقبالة البقاع الغربي، مرتبط بتنفيذ القرار 1701. هذا هو التفسير الذي أعطاه الرئيس السوري للرئيس اللبناني ميشال سليمان. ما يبدو مطلوباً صدور موقف رسمي عن دمشق يعلن بكل صراحة التزام القرار 1701 بكل حذافيره، بما يؤدي إلى وقف تدفق السلاح على لبنان، كذلك تسلل الإرهاب والإرهابيين إلى بلاد الأرز، بلاد ثورة الأرز.
سيعكس التزام القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن رغبة سورية في ترسيم الحدود مع لبنان والتعاطي معه كبلد شقيق من دون أي نوع من العقد. وسيعكس ذلك أيضاً وجود رغبة في الانتهاء من قضية مزارع شبعا التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 والتي ينطبق عليها القرار 242 الذي لا علاقة للبنان به.
لا يمكن إلا الترحيب بإعلان الرئيس الأسد إقامة علاقات ديبلوماسية بين بيروت ودمشق. إنه الرئيس السوري الأول الذي يتجرأ على اتخاذ مثل هذه الخطوة. إنها خطوة ذات طابع رمزي بامتياز ويمكن أن تكون مقدمة لخطوات أخرى تشير إلى وجود تحول إيجابي في الموقف السوري ليس على الصعيد اللبناني فحسب، بل على الصعيدين الإقليمي والدولي أيضاً. إنه تحول يمكن أن تكون له مدلولات في المدى البعيد تصب في اتجاه علاقات طبيعية وأخوية ذات طابع صحي بين السوريين واللبنانيين وبين لبنان وسورية. كل ما هو مطلوب في هذا الشأن الاقتناع بأن لبنان بلد سيّد حرّ مستقلّ وأن ازدهار دمشق من ازدهار بيروت والعكس صحيح. تبقى قضية المحكمة الدولية التي لم تعد ملك لبنان، بمقدار ما هي ملك المجتمع الدولي. ألم يفصل النائب سعد الحريري بين ما هو شخصي وما هو عام في شأن هذه القضية؟ هل يستطيع الذهاب إلى أبعد من ذلك في قضية اغتيال والده حيث الجريمة واضحة والمنفذون معرفون أقله في نظر لبنانيين كثيرين؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن